لماذا يخدع العقل صاحبه؟
إنه بسم الله الرحمن الرحيم وبعد:
لماذا يخدع العقل صاحبه؟
انظر حولك... ثم أجب
تخيل أنك دخلت غرفة تعرفها جيدًا، غرفة جلست فيها مئات المرات.
لو سألك أحدهم فجأة:
كم عدد الدرجات الموجودة في السلم المؤدي إليها؟
ربما ستتردد.
مع أنك صعدت ذلك السلم عشرات المرات.
ولو سألك:
هل باب الغرفة يُفتح إلى الداخل أم إلى الخارج؟
قد تتوقف لحظة لتتذكر.
وهنا تكمن المفارقة.
لقد رأيت السلم.
ورأيت الباب.
ومررت بهما مئات المرات.
لكن عقلك لم يحتفظ بالتفاصيل.
ليس لأنه ضعيف.
بل لأنه لم يجد سببًا يجعله يحتفظ بها.
وهذه أول حقيقة يجب أن ندركها:
العقل لا يسجل العالم كما هو، بل يسجل ما يعتقد أنه مهم.
ومن هذه الحقيقة تبدأ رحلتنا.
فنحن نظن أننا نعيش داخل الواقع، بينما نحن نعيش في نسخة مختصرة منه، صنعها عقلنا بعناية، وحذف منها آلاف التفاصيل دون أن يستأذننا.
فهل يمكن الوثوق بعقل يفعل ذلك؟
هذا هو السؤال الذي سنحاول الإجابة عنه أدناه....
العقل لا يرى... بل يختار ما يراه
لو كان العقل كاميرا، لكانت الحياة أسهل بكثير.
الكاميرا لا تهتم بمن يقف أمامها، ولا بما تشعر به، ولا بما تؤمن به. إنها تلتقط كل ما يقع في مجال عدستها، ثم تحفظه كما هو.
أما العقل، فلا يفعل ذلك.
إنه أقرب إلى محرر صحيفة يقف أمام آلاف الأخبار كل صباح، ثم يقرر أيها يستحق أن يُنشر، وأيها سيُهمَل، وأيها سيُختصر، وأيها سيُعاد صياغته.
كل ثانية، تستقبل حواس الإنسان كما هائلًا من المعلومات؛ أصواتًا، وروائح، وألوانًا، وحركات، ووجوهًا، وكلمات.
ولو حاول العقل أن يعالجها كلها في الوقت نفسه، لعجز عن القيام بأبسط الأعمال.
ولذلك، فإنه يختار.
يختار ما يراه مهمًا.
ويترك الباقي يمر دون أن يمنحه انتباهًا.
لهذا السبب قد تشتري سيارة بلون معين، ثم تفاجأ بأن السيارات من اللون نفسه أصبحت في كل شارع.
لم تظهر فجأة.
كانت موجودة منذ سنوات.
لكن عقلك لم يكن يمنحها اهتمامًا، حتى أصبحت ذات صلة بك.
إننا لا نلاحظ كل ما يحيط بنا، بل نلاحظ ما يخبرنا عقلنا أنه يستحق الملاحظة.
وهذه القدرة ضرورية للحياة، لكنها قد تصبح أيضًا بداية الوهم.
الذاكرة... ليست خزينة، بل كاتب قصة
يعتقد كثير من الناس أن الذاكرة مكان تُحفظ فيه الأحداث كما تُحفظ الملفات داخل جهاز الحاسوب.
لكن الحقيقة مختلفة.
كلما تذكرت موقفًا قديمًا، فإن عقلك لا يفتح صندوقًا مغلقًا، بل يعيد بناء ذلك الموقف من جديد.
ولهذا قد يختلف وصفك لطفولتك اليوم عن وصفك لها قبل عشر سنوات.
ليس لأن الماضي تغيّر.
بل لأن الشخص الذي يتذكره قد تغيّر.
إن التجارب اللاحقة، والمشاعر الجديدة، وحتى الأشخاص الذين التقيتهم، يعيدون تشكيل ذكرياتك دون أن تشعر.
ولهذا نجد إخوة عاشوا في البيت نفسه، ومع ذلك يصف كل واحد منهم طفولته بطريقة مختلفة.
البيت واحد.
والأيام واحدة.
لكن الذاكرة لم تكتب القصة بالحبر نفسه.
إنها لا تكذب عمدًا، لكنها تكتب الماضي بعين الحاضر.
الانطباع الأول... حكم يصعب نقضه
يكفي أحيانًا أن ترى شخصًا لدقائق معدودة حتى يبدأ عقلك في رسم صورة كاملة عنه.
طريقة حديثه.
ملابسه.
ابتسامته.
نبرة صوته.
كلها تتحول بسرعة إلى أحكام صامتة.
ثم يحدث أمر غريب.
بعد أن تتكون هذه الصورة، يبدأ العقل في البحث عما يؤكدها.
فإذا أحببت شخصًا، أصبحت تميل إلى تفسير أخطائه على أنها استثناء.
وإذا نفرت منه، فقد تفسر حتى حسناته على أنها محاولة للتظاهر.
وهكذا لا يصبح الحكم نتيجة للمواقف، بل تصبح المواقف خادمة للحكم الذي تكوّن أولًا.
وليس معنى هذا أن الانطباعات الأولى بلا قيمة، لكنها لا تستحق أن تكون الكلمة الأخيرة.
فكم من إنسان ظننته عاديًا، ثم اكتشفت مع الأيام عمقًا لم يكن يظهر على السطح.
وكم من شخص أبهر الجميع في اللقاء الأول، ثم كشفت الأيام أن الصورة الأولى لم تكن إلا قشرة براقة.
لماذا يثق الإنسان بعقله أكثر مما ينبغي؟
لأن العقل نادرًا ما يخبر صاحبه بما يجهله.
إنه يقدم استنتاجاته بثقة، حتى عندما تكون مبنية على معلومات ناقصة.
ولهذا يشعر الإنسان غالبًا أنه يرى الصورة كاملة، بينما هو لا يرى إلا جزءًا منها.
إن أخطر خدعة يمارسها العقل ليست أن يخطئ.
بل أن يجعلك مطمئنًا إلى أن الخطأ مستحيل.
ولهذا كان الحكماء عبر التاريخ يحرصون على سؤال أنفسهم قبل سؤال الآخرين.
فمن راقب طريقة تفكيره، قلّت فرص أن يصبح أسيرًا لها.
تليد..
تعليقات
إرسال تعليق