حين لا يجد الإعتذار بابًا ليطرقه ..

 إنه بسم الله الرحمن الرحيم وبعد:




حين يأتي الاعتذار... ولا يجد بابًا يطرقه

ليس كل اعتذارٍ متأخرٍ عديم القيمة، ولكنه في كثيرٍ من الأحيان يأتي بعد أن تكون الحياة قد غيَّرت أصحابها، وأعادت تشكيل قلوبهم، وأخذت بهم إلى ضفافٍ لم يكونوا يتوقعون الوصول إليها.

إن الزمن لا يقف منتظرًا أحدًا.

هو يمضي، سواء اصطلح المتخاصمون أم لم يصطلحوا، وسواء عاد المتباعدون أم ظلوا أسرى المسافات. وفي أثناء سيره الصامت، يفعل ما لا تفعله الكلمات؛ فهو يبدل الملامح، ويبدل البيوت، ويبدل الأحلام، بل يبدل الإنسان نفسه.

ولهذا، فإن أعظم خسارةٍ لا تكمن في الخطأ، بل في تأجيل إصلاحه.

فما أكثر الذين قالوا: غدًا أعتذر.

ثم جاء الغد محملًا بانشغالاته.

ثم جاء الذي بعده.

ثم تحولت الأيام إلى أعوام، حتى أصبح الاعتذار رسالةً بلا عنوان، وطريقًا بلا سالك، وصوتًا يبحث عن أذنٍ كانت يومًا تصغي إليه، ثم مضت مع العمر.

إن القلب يشبه الزهرة؛ لا يموت فجأة، وإنما يذبل قليلًا كل يوم.

وفي البداية يشتاق.

ثم ينتظر.

ثم يتعب.

ثم يتعلم كيف يعيش في غياب ما كان يظنه مستحيل الغياب.

وهنا تقع المأساة.

فليس لأن الحب انتهى، بل لأن القلب اضطر إلى أن يصنع لنفسه حياةً لا تعتمد على من كان ينتظره.

وما أقسى أن يعود الإنسان بعد سنواتٍ حاملًا صدقًا لم يكن يملكه من قبل، ليجد أن الزمن قد سبق إليه، وأن الطرف الآخر لم يعد ذلك الإنسان الذي تركه ذات يوم.

إن الاعتذار لا يملك أن يعيد الأعمار، ولكنه يملك أن يطهِّر الضمير.

ولا يملك أن يمحو الماضي، ولكنه يمنع الإنسان من أن يعيش بقيَّة حياته هاربًا من نفسه.

ولهذا، فإن الاعتذار ليس منحةً تُقدَّم للآخر وحده، بل هو عدلٌ يؤديه الإنسان لنفسه قبل أن يؤديه لغيره.

وقد رأيت أن أشد الناس بؤسًا ليس من أخطأ، وإنما من حمل خطأه حتى صار جزءًا من هويته.

كلما أراد الرجوع قال له كبرياؤه:

لقد تأخرت.

وكلما همَّ بالاعتذار قال له خوفه:

وماذا لو رُفض؟

فيبقى معلقًا بين خوفين؛ خوفِ الرفض، وخوفِ الندم.

ولا يعلم أن الندم الذي يُعاش كل يوم أشد قسوةً من رفضٍ قد يقع مرةً واحدة.

إن الإنسان لا يُحاسَب على أنه لم يكن كاملًا، فالكمال ليس من شأن البشر، وإنما يُحاسَب على أنه عرف الحق، ثم أدار وجهه عنه، وعرف طريق الإصلاح، ثم اختار الطريق الآخر.

ولعل أكثر ما يوجع في آخر العمر ليس كثرة الأخطاء، بل كثرة الفرص التي أضعناها لأننا كنا نظن أن الوقت لا ينفد.

لكن الوقت، في حقيقته، هو أثمن ما لا يعود.

إن الكلمة التي لم تُقل في وقتها، قد لا تستطيع كتب الدنيا كلها أن تعوضها.

واليد التي لم تمتد عند الحاجة، قد لا يكفي العمر كله ليمتد أثرها بعد ذلك.

والقلب الذي تُرك وحيدًا حتى اعتاد وحدته، قد لا يعرف كيف يعود إلى ما كان عليه.

فلا تؤجل خيرًا تقدر عليه اليوم.

ولا تجعل الكبرياء يؤخر كلمةً قد تنقذ عمرًا كاملًا من الحسرة.

فإن بعض الأبواب لا تُغلق بالمفاتيح، وإنما يغلقها الزمن.

وبعض القلوب لا يغيِّرها الغضب، وإنما يغيِّرها طول الانتظار.

وحينها... لا يكون الإنسان قد خسر معركةً، ولا رأيًا، ولا موقفًا...

بل يكون قد خسر زمنًا لن يخلقه الله مرتين، وإنسانًا لن تتكرر صورته في هذه الحياة.

وهذه هي الحقيقة التي لا يخبرنا بها العمر إلا متأخرًا:

إن الكبرياء لا يسرق الإنسان من الناس فحسب، بل يسرق منه النسخة التي كان يمكن أن يكونها لو امتلك شجاعة الاعتذار في الوقت المناسب.




 وإلى الله تُرجع الأمور ..



                                           تليد..

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة