الضمير فطرة أم ثمرة ....1
إنه بسم الله الرحمن الرحيم وبعد:
«يوجد شيئان يملآن النفس إعجابًا وإجلالًا متجددين كلما أمعنتُ فيهما تفكيرًا: السماء المرصعة بالنجوم فوقي، والقانون الأخلاقي في داخلي.»— إيمانويل كانط
مقدمة
ليس كل ما يحكم الإنسان مكتوبًا في القوانين، ولا كل ما يردعه يقف خلفه قاضٍ أو شرطي. ففي أعماق النفس قوة صامتة، لا تُرى بالعين، ولا تُسمع بالأذن، لكنها قد تكون أشد سلطانًا من العقوبات كلها. إنها الضمير؛ ذلك الصوت الذي يرافق الإنسان في وحدته، ويزوره في لحظات الصمت، ويذكره بما كان ينبغي أن يفعله، أو بما كان ينبغي أن يتجنبه.
قد ينجح الإنسان في إخفاء الحقيقة عن الآخرين، لكنه يعجز في كثير من الأحيان عن إخفائها عن نفسه. وربما يصفق له الناس على فعلٍ يراه في قرارة نفسه خطأً، أو يلومونه على موقف يعلم أنه كان صائبًا. وهنا تتجلى وظيفة الضمير؛ فهو لا يستمد سلطته من رأي الجمهور، بل من ذلك الشعور الداخلي الذي يميز بين ما ينسجم مع القيم وما يناقضها.
لهذا لم يكن الضمير، في نظر الفلاسفة، مجرد انفعال عاطفي، بل كان من أكثر الموضوعات اتصالًا بحقيقة الإنسان. فمن خلاله تتحدد قيمة الحرية، ومعه تكتسب المسؤولية معناها، وبه يصبح الإنسان قادرًا على محاسبة نفسه قبل أن يحاسبه غيره.
ما الضمير؟ ولماذا احتل هذه المكانة في الفلسفة؟
حين نتحدث عن الضمير، فإننا لا نعني مجرد الشعور بالذنب بعد ارتكاب خطأ، بل نعني تلك القدرة الداخلية التي تمكّن الإنسان من التمييز بين الخير والشر، والعدل والظلم، والصدق والزيف.
ولذلك، فإن الضمير لا يظهر بعد الفعل فقط، بل يسبق الفعل أيضًا. فهو الذي يدفع الإنسان إلى التردد قبل اتخاذ قرار يعلم أنه قد يضر بغيره، وهو الذي يوقظ داخله سؤالًا بسيطًا، لكنه بالغ الأثر: "هل ما أفعله ينسجم مع ما أؤمن به؟"
وقد رأى سقراط أن الإنسان لا ينبغي أن يخشى ظلم الآخرين بقدر ما يخشى أن يصبح هو نفسه ظالمًا. وكان يؤكد في محاوراته أن النفس التي تفسد بالظلم تتعرض لخسارة أعظم من أي خسارة مادية.
ومن هنا، فإن الضمير ليس خصمًا للحرية، بل هو الذي يمنحها قيمتها. فحرية لا يوجهها ضمير قد تتحول إلى أنانية، أما الحرية التي يقودها وعي أخلاقي فإنها تصبح مصدرًا للعدل والرحمة.
هل يولد الإنسان بضمير، أم يكتسبه؟
هذا السؤال شغل الفلاسفة والمربين عبر قرون طويلة. فهل يحمل الإنسان في داخله بذور الضمير منذ ولادته، أم أن المجتمع هو الذي يغرس فيه مفاهيم الخير والشر؟
ليس من السهل تقديم جواب قاطع، لكن كثيرًا من المفكرين ذهبوا إلى أن الإنسان يولد مستعدًا لاكتساب الحس الأخلاقي، ثم تأتي الأسرة، والتعليم، والثقافة، والتجارب الحياتية لتمنح هذا الاستعداد صورته العملية.
فالطفل يتعلم منذ سنواته الأولى معنى الصدق، والعدل، واحترام الآخرين، لكنه لا يكتفي بسماع هذه القيم، بل يراقب كيف يطبقها من حوله. ولهذا كان القدوة الصالحة أبلغ أثرًا من آلاف النصائح.
إن الضمير، شأنه شأن اللغة، يحتاج إلى بيئة تنميه، وإلى مواقف تصقله، وإلى تأمل يجعله أكثر نضجًا. فليس المهم أن يعرف الإنسان الفضيلة نظريًا، بل أن يجعلها جزءًا من سلوكه اليومي.
الضمير بين القانون والأخلاق
يستطيع القانون أن يمنع كثيرًا من الجرائم، لكنه لا يستطيع أن يجعل الإنسان فاضلًا. فالقانون يعاقب على الأفعال الظاهرة، أما الضمير فيراقب النوايا قبل أن تتحول إلى أفعال.
قد يمتنع شخص عن السرقة خوفًا من العقوبة، بينما يمتنع آخر لأنه يرى أن الاعتداء على حقوق الناس يناقض مبادئه، حتى لو ضمن ألا يكتشفه أحد. وفي الحالتين تبدو النتيجة واحدة، لكن الدافع مختلف اختلافًا جوهريًا.
ولهذا ميز إيمانويل كانط بين الفعل الذي يصدر عن منفعة، والفعل الذي يصدر عن احترام الواجب الأخلاقي. فالقيمة الأخلاقية، في نظره، لا تُقاس بالمظهر الخارجي للفعل وحده، بل بالنية التي ولد منها.
ومن هنا نفهم لماذا يبقى الضمير ضرورة لا غنى عنها، حتى في أكثر المجتمعات تنظيمًا. فالقوانين ترسم الحدود الدنيا للسلوك، أما الضمير فيدعو الإنسان إلى ما هو أسمى من مجرد تجنب العقوبة.
تــليد..
تعليقات
إرسال تعليق