الضمير فطرة أم ثمرة ....2
إنه بسم الله الرحمن الرحيم وبعد:
هل يخطئ الضمير؟
قد يبدو السؤال غريبًا للوهلة الأولى، لأن الضمير يُنظر إليه غالبًا بوصفه مرشدًا لا يضل. غير أن التأمل يكشف أن الإنسان قد يخلط أحيانًا بين صوت الضمير وصوت العادة، أو بين الحكم الأخلاقي الصادق وبين الأفكار التي تشربها منذ طفولته دون أن يراجعها.
ولهذا لا يكون الضمير معصومًا من الخطأ إذا تشكل في بيئة تمجد الظلم، أو تبرر التعصب، أو تُلبس الباطل ثوب الفضيلة. فالإنسان قد يظن أنه يفعل الخير، بينما هو في الحقيقة يكرر ما اعتاده دون أن يسأل نفسه: هل هذا عادل حقًا؟
من هنا شدد الفلاسفة على أن الضمير يحتاج إلى رفيقين لا يستغني عنهما: العقل والمعرفة. فالعقل يختبر الأحكام، والمعرفة توسع أفق الإنسان، والضمير يمنح هذه الأحكام بعدها الأخلاقي.
فالضمير الذي لا يتعلم قد يتحول إلى تعصب، والعقل الذي لا يعرف الرحمة قد يتحول إلى برود لا إنساني. أما حين يلتقي العقل والضمير، فإن الإنسان يصبح أقدر على إصدار أحكام أكثر عدلًا وإنصافًا.
الضمير في مواجهة المصلحة
من أصعب اللحظات التي يمر بها الإنسان تلك التي يتعارض فيها ما هو صحيح مع ما هو نافع. فقد يجد نفسه أمام فرصة تحقق له منفعة كبيرة، لكنه يعلم في قرارة نفسه أن الطريق إليها يمر عبر ظلم غيره، أو خيانة أمانة، أو التفريط في مبدأ آمن به طويلًا.
في هذه اللحظات يظهر الفرق بين من يعيش وفق المبادئ، ومن يعيش وفق المصالح وحدها.
فالضمير لا يعد الإنسان بأن الطريق المستقيم سيكون دائمًا الأسهل، لكنه يَعِده بأن راحة النفس لا تُشترى بالمكاسب العابرة. ولهذا بقيت النزاهة، عبر التاريخ، من أكثر الفضائل احترامًا، لأنها تعني أن الإنسان لم يبع ضميره عندما سنحت له الفرصة.
وقد رأى سينيكا أن الثروة الحقيقية لا تكمن فيما يملكه الإنسان، بل فيما لا يستطيع أحد أن يسلبه منه، وعلى رأس ذلك صفاء النفس واستقامة الخلق.
تأنيب الضمير... عقوبة أم فرصة؟
كثير من الناس ينظرون إلى تأنيب الضمير بوصفه شعورًا مؤلمًا ينبغي التخلص منه بأسرع وقت، لكن الفلسفة الأخلاقية تقدم فهمًا أكثر عمقًا.
إن الألم الذي يشعر به الإنسان بعد ارتكاب خطأ قد يكون دليلًا على أن حسه الأخلاقي لا يزال حيًا. فالإنسان الذي لا يشعر بأي ندم مهما ظلم أو أساء، لا يعيش حرية حقيقية، بل يعيش انفصالًا خطيرًا عن إنسانيته.
ولا يعني ذلك أن يظل المرء أسير الذنب إلى الأبد، بل أن يجعل من الندم بدايةً للإصلاح. فالغاية من الضمير ليست تعذيب الإنسان، وإنما إرشاده إلى الطريق الذي يعيد إليه انسجامه مع نفسه.
ولهذا، فإن الاعتذار الصادق، ورد الحقوق، وتصحيح الخطأ، ليست علامات ضعف، بل علامات قوة أخلاقية؛ لأنها تعني أن الإنسان فضّل الحقيقة على كبريائه.
الضمير في زمن الضجيج
لم يعد الإنسان يعيش في عالم بسيط يسمع فيه صوته الداخلي بسهولة. فوسائل الإعلام، ومنصات التواصل، والإعلانات، وسرعة الحياة، كلها تتنافس على جذب انتباهه، حتى أصبح الصمت نفسه نادرًا.
وفي خضم هذا الضجيج، قد يضعف صوت الضمير، لا لأنه اختفى، بل لأن الإنسان لم يعد يمنحه فرصة ليُسمع.
إن مراجعة النفس، والتأمل، والابتعاد بين حين وآخر عن صخب الحياة، ليست رفاهية فكرية، بل ضرورة أخلاقية. فمن لا يمنح نفسه وقتًا ليسأل: هل أعيش وفق ما أؤمن به؟ قد يجد نفسه بعد سنوات يسير في طريق لم يختره عن وعي.
ولذلك، فإن أكثر الناس قدرة على المحافظة على ضمائرهم ليسوا أولئك الذين لم يخطئوا قط، بل الذين لم يتوقفوا عن محاسبة أنفسهم، وعن التعلم من أخطائهم، وعن السعي إلى أن يكونوا أفضل مما كانوا عليه بالأمس.
الضمير أساس الثقة بين الناس
لا تقوم المجتمعات على القوانين وحدها، مهما بلغت دقتها وعدالتها، بل تقوم أيضًا على الثقة. وهذه الثقة لا تُبنى إلا عندما يطمئن الناس إلى أن من يتعاملون معهم تحكمهم مبادئ لا تتغير بتغير الظروف.
فالتاجر الذي يصدق في بيعه، والطبيب الذي يؤدي رسالته بأمانة، والقاضي الذي يحكم بالعدل، والمعلم الذي يخلص في تعليم تلاميذه، جميعهم يسهمون في بناء مجتمع يشعر أفراده بالأمان، لأن الضمير حاضر في أعمالهم قبل حضور الرقابة.
ولهذا، فإن الحضارات لا تزدهر بكثرة القوانين وحدها، بل بكثرة الأشخاص الذين يحملون في داخلهم رقيبًا لا يغفل، ويؤمنون بأن قيمة الإنسان لا تُقاس بما يملكه، وإنما بما يحمله من مبادئ.
إن الضمير، في نهاية المطاف، ليس مجرد قضية فلسفية، بل هو الأساس الخفي الذي يمنح العلاقات الإنسانية معناها، ويجعل الثقة ممكنة، والعدالة قابلة للتحقق، والحرية جديرة بأن تُمارس.
تــليد..
تعليقات
إرسال تعليق