أخطر كذبه صدقتها أيها القارئ هي معرفة نفسك ..؟
إنه بسم الله الرحمن الرحيم وبعد:
أخطر كذبةٍ يصدقها الإنسان... أنه يعرف نفسه
لعلَّ أكثر ما يبعث على الدهشة أن الإنسان يقضي عمره كله برفقة نفسه، ثم يرحل عنها كما يرحل الغريب عن مدينةٍ لم يتجول في أزقتها قط.
إننا نعرف أسماءنا، وأعمارنا، ومهننا، وذكرياتنا، ولكن هذه كلها ليست نحن.
إنها بطاقات تعريف، لا تعريفات.
أما النفس، فهي قارةٌ خفية، لا تكشف تضاريسها إلا عند الزلازل.
كم من رجلٍ كان يظن نفسه صبورًا، حتى وضعته الحياة أمام بلاءٍ طويل، فإذا بصبره يتساقط ورقةً بعد أخرى.
وكم من امرأةٍ حسبت نفسها قوية، حتى فقدت أعز ما تملك، فاكتشفت قوةً لم تكن تعلم أنها تسكنها.
وكم من إنسانٍ أقسم أنه لا يخون، ولا يظلم، ولا يكذب، فلما ضاقت به الدنيا، وجد نفسه يصارع أهواءً لم يكن يظن أنها تقيم في صدره.
إن الإنسان لا يعرف نفسه في أوقات السكينة، بل يعرفها حين تضيق الطرق، وتنكشف الأقنعة، وتصبح الخيارات مؤلمة.
ولهذا كانت الشدائد مرايا لا تكذب.
فهي لا تغير الإنسان كما يظن الناس، وإنما تكشفه.
إن النار لا تخلق الذهب، وإنما تُظهر نقاءه.
وكذلك المحن، لا تصنع الطبائع، وإنما ترفع عنها الغبار.
ومن هنا كان أعظم الخداع أن يقول المرء: أنا أعرف نفسي.
وكيف يعرفها، وهي تتبدل مع التجارب، وتنضج مع الألم، وتتغير مع الزمن؟
إن النفس ليست صخرةً جامدة، بل نهرٌ يجري.
كل يومٍ يحمل إليه شيئًا، ويأخذ منه شيئًا.
فمن ظن أنه انتهى من معرفة نفسه، فقد أغلق بابًا لن يفتح بعده باب الحكمة.
ولعل السبب في ذلك أن الإنسان لا يحب أن يرى عيوبه عارية.
إنه يكسوها بالأسماء الجميلة.
فيسمي خوفه حكمة.
وعجزه قناعة.
وبخله اقتصادًا.
وكبرياءه كرامة.
وانتزاعه لحقوق الآخرين دفاعًا عن النفس.
وهكذا، لا يكذب على الناس أولًا، بل يكذب على نفسه، حتى يصدق الكذبة، ثم يبني عليها عمرًا كاملًا.
ولذلك كان أصعب أنواع الصدق هو الصدق مع الذات.
أن يقف الإنسان أمام نفسه، لا ليجلدها، ولا ليمدحها، وإنما ليراها كما هي.
بلا زينة.
وبلا أعذار.
وبلا خوف.
فإن استطاع أن يفعل ذلك، فقد قطع نصف الطريق إلى الحكمة.
أما النصف الآخر، فهو أن يقبل ما رآه، ثم يعمل على إصلاحه، لأن معرفة النفس ليست غاية، وإنما بداية.
ولعل الإنسان لا يبلغ النضج يوم يكتشف أن الآخرين أخطأوا في حقه، بل يوم يكتشف أنه أخطأ في حق نفسه مراتٍ أكثر مما أخطأ الناس في حقه.
هناك...
تبدأ الرحلة الحقيقية.
رحلة الإنسان إلى الإنسان الذي كان يجهله، رغم أنه عاش معه منذ أول يومٍ في حياته.
لا تنتظر تصفيق الآخرين أيها الإنسان ..
تليد..
تعليقات
إرسال تعليق