أنت لا ترى نفسك ... بل ترى صورتك في عيون الآخرين ..

 إنه بسم الله الرحمن الرحيم وبعد:





الإنسان لا يرى نفسه... بل يرى صورته في عيون الآخرين

ليس أشد غرابةً من أن يقضي الإنسان عمره كله مع نفسه، ثم يموت وهو لا يعرفها معرفةً حقيقية.

فنحن نظن أننا نعرف ذواتنا؛ لأننا نسكنها، ونسمع حديثها، ونشهد أفراحها وأحزانها. غير أن السؤال الذي يستحق التأمل هو: هل نرى أنفسنا كما هي، أم كما يرانا الناس؟

منذ اللحظة التي يفتح فيها الطفل عينيه على الدنيا، تبدأ المرايا تحيط به من كل جانب. لا مرايا الزجاج، بل مرايا البشر.

يقال له: أنت ذكي...

أنت بطيء...

أنت جميل...

أنت عادي...

أنت ناجح...

أنت فاشل...

ومع مرور الأعوام، لا يعود يسمع تلك الكلمات فحسب، بل يبدأ في تصديقها، حتى تصبح جزءًا من تعريفه لنفسه. وكأن الآخرين لم يصفوه، بل خلقوه من جديد.

وهنا تبدأ أول مأساةٍ خفية في حياة الإنسان.

إنه يتوقف عن البحث عن حقيقته، ويبدأ في البحث عن صورته.

فبدل أن يسأل: من أنا؟

يسأل: كيف يراني الناس؟

والفرق بين السؤالين هو الفرق بين من يبني بيتًا على الصخر، ومن يبنيه على سطح الماء.

لقد أصبح الإنسان الحديث يراقب نفسه كما لو كان متفرجًا عليها. يزن كلماته بميزان القبول، ويقيس أفعاله بمقياس التصفيق، ويشعر بقيمته حين يُمدح، ويشك في نفسه حين يُنتقد. حتى إذا خلا بنفسه، لم يجد ذاته، بل وجد أصوات الآخرين تتحدث في داخله.

وما أعجب هذا الكائن!

قد يثق بعشرات الغرباء إذا مدحوه، لكنه يشك في نفسه كلها إذا ذمَّه واحد.

وقد ينسى سنواتٍ من النجاح، لأن كلمةً واحدةً جرحت صورته أمام الناس.

فهل تغيرت حقيقته؟

أم أن الصورة في المرآة هي التي تغيرت؟

إن أخطر ما يفعله الإنسان بنفسه أنه يمنح الآخرين سلطةً لم يمنحها حتى لعقله؛ فيجعل إعجابهم شهادةً بوجوده، ورفضهم حكمًا على قيمته، ونظرتهم ميزانًا يزن به روحه.

وهكذا، شيئًا فشيئًا، يفقد الإنسان نفسه وهو يظن أنه يحافظ على مكانته.

ولعل أكثر المآسي هدوءًا أن يعيش المرء عمرًا كاملًا وهو يحرس صورته، بينما ذاته الحقيقية تقف خلفها، صامتةً، تنتظر أن يلتفت إليها مرةً واحدة.

إن الصورة التي يراها الناس فيك قد تكون صادقة، وقد تكون ناقصة، وقد تكون وهمًا صنعته لحظة إعجاب أو سوء فهم. أما ذاتك، فهي أعقد من أن تختصرها نظرة، وأوسع من أن يحكم عليها موقف، وأغنى من أن تُقاس بمديح أو ذم.

فإذا جعلت قيمتك معلقةً بأعين الناس، أصبحت حياتك كلها رهينةً لتقلب أذواقهم. يرفعك ثناؤهم يومًا، ويخفضك نقدهم في اليوم التالي. أما إذا عرفت نفسك بصدق، غدا المدح نعمةً لا تُسكر، والنقد فرصةً لا تُحطم.

ولعل الحرية الحقيقية لا تبدأ عندما يتوقف الناس عن الحكم عليك، فهذا لن يحدث، وإنما تبدأ عندما تتوقف أنت عن جعل أحكامهم المصدر الوحيد الذي ترى به نفسك.

فما أقسى أن يقضي الإنسان عمره كله يلمع صورته في المرايا... ثم يكتشف، في آخر الطريق، أنه لم يجلس يومًا مع نفسه ليعرف من يكون.



استيقظ أيها الإنسان وأختر لنفسك ما شئت فإن الله اطلقت وأعطاك حريتك قبل تكليفك بالعبادة.



                                   تليد..

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة