الصمت سَرٌ لا ريب فيه ....1

 إنه بسم الله الرحمن الرحيم وبعد:





«من لا يعرف قيمة الصمت، لا يدرك قيمة الكلمة.»
هذه العبارة تُلخِّص فكرة فلسفية عامة، وليست اقتباسًا موثقًا عن فيلسوف بعينه.

مقدمة

يولد الإنسان باكيًا، ثم يتعلم الكلام، ويقضي معظم حياته محاطًا بالأصوات. فالكلمات تملأ البيوت، والطرقات، ووسائل الإعلام، والهواتف، حتى أصبح الصمت، في عالمنا المعاصر، حالة نادرة أكثر منه أمرًا مألوفًا.

ومع ذلك، فإن أكثر اللحظات تأثيرًا في حياة الإنسان كثيرًا ما تكون صامتة. لحظة التأمل قبل اتخاذ قرار مصيري، ولحظة الوقوف أمام بحر هادئ، ولحظة الحزن التي تعجز الكلمات عن وصفها، ولحظة اللقاء بعد غياب طويل، حيث تعجز اللغة عن حمل ما يشعر به القلب.

لهذا لم يكن الصمت، في نظر الفلاسفة، غيابًا للكلام، بل حضورًا من نوع آخر. فهو مساحة يولد فيها التفكير، وتنضج فيها الحكمة، ويستعيد الإنسان فيها صلته بنفسه، بعيدًا عن ضجيج العالم.

إن الإنسان لا يحتاج إلى الكلام ليبرهن أنه موجود، بل يحتاج أحيانًا إلى الصمت حتى يسمع صوته الداخلي.

لماذا يخاف الإنسان من الصمت؟

من اللافت أن كثيرًا من الناس يشعرون بالارتباك عندما يسود الصمت. فإذا انقطعت المحادثة، سارع أحدهم إلى قول أي شيء، ولو كان بلا أهمية، فقط ليكسر ذلك الفراغ.

ويرجع هذا، في جانب منه، إلى أن الصمت يضع الإنسان في مواجهة نفسه. فعندما تخفت الأصوات الخارجية، تبدأ الأسئلة الداخلية بالظهور: ماذا أريد؟ ماذا أخشى؟ هل أنا راضٍ عن حياتي؟ وهل أسير في الطريق الذي اخترته حقًا؟

هذه الأسئلة قد تكون ثقيلة، ولذلك يهرب بعض الناس من الصمت إلى الانشغال الدائم، أو إلى الضوضاء المستمرة، أو إلى متابعة لا تنتهي للأخبار ووسائل التواصل.

غير أن الهروب من الصمت لا يعني الهروب من النفس، لأن ما يؤجل مواجهته اليوم، قد يعود غدًا بصورة أشد حضورًا.

ولهذا، فإن الصمت ليس فراغًا، بل فرصة نادرة للإنسان كي يلتقي بذاته بعيدًا عن المؤثرات الخارجية.

كونفوشيوس: الحكمة تبدأ بالإصغاء

كان كونفوشيوس يرى أن الحكمة لا تنشأ من كثرة الكلام، بل من حسن الفهم، وأن الإصغاء فضيلة تسبق الحديث.

ولم يكن يدعو إلى الصمت المطلق، بل إلى أن تكون الكلمات ثمرة تفكير، لا مجرد استجابة متسرعة لكل موقف.

فالإنسان الذي ينصت جيدًا، يفهم أكثر، ويحكم بعدل أكبر، ويتجنب كثيرًا من الأخطاء التي يسببها التسرع في إصدار الأحكام.

ولهذا كانت التربية، في الفكر الكونفوشيوسي، تقوم على تهذيب النفس قبل تهذيب اللسان، لأن الكلمة ليست مجرد صوت، بل أثر يظل قائمًا بعد أن ينتهي الحديث.

إن الإصغاء الحقيقي لا يعني انتظار الدور في الكلام، بل محاولة فهم الآخر قبل الحكم عليه، وهي مهارة أصبحت أكثر ضرورة في زمن يكثر فيه الحديث ويقل فيه الاستماع.

عندما يصبح الصمت لغة

ليست كل الرسائل تُقال بالكلمات. فالأم قد تعبر عن حبها بنظرة، والصديق قد يواسي صديقه بمجرد حضوره، وقد يحمل الصمت في بعض المواقف صدقًا يفوق أبلغ الخطب.

إن اللغة، مهما بلغت من الدقة، تبقى محدودة أمام بعض التجارب الإنسانية. فهناك مشاعر لا تجد ألفاظًا تفي بها، وهناك مواقف يكون فيها الصمت احترامًا، أو رحمة، أو مشاركة وجدانية.

ولهذا فإن الصمت، حين يكون في موضعه، لا يدل على العجز، بل على إدراك أن بعض المعاني لا تحتاج إلى تفسير، وإنما إلى حضور صادق.

غير أن للصمت وجهًا آخر؛ فقد يتحول إلى وسيلة للهروب من المسؤولية، أو إلى تجاهل لحقوق الآخرين، أو إلى قبول للظلم حين يكون الكلام واجبًا.

ومن هنا، فإن قيمة الصمت لا تُقاس بوجوده وحده، بل بالسبب الذي يدعو إليه، والنتيجة التي يحققها.

فالصمت الذي يحفظ الكرامة حكمة، أما الصمت الذي يحمي الباطل فليس فضيلة، بل تقصير في أداء الواجب.



                                   تــليد..

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة