الصمت سَرٌ لا ريب فيه ....3
إنه بسم الله الرحمن الرحيم وبعد:
خاتمة
ليس الصمت فراغًا كما قد يبدو، بل هو مساحة تمتلئ بما تعجز الكلمات عن حمله. فمن خلاله يراجع الإنسان أفكاره، ويستمع إلى ضميره، ويعيد ترتيب أولوياته، ويمنح عقله فرصة للتمييز بين ما يستحق أن يُقال وما ينبغي أن يبقى طي الكتمان.
وقد اختلف الفلاسفة في تفسير قيمة الصمت، لكنهم التقوا عند حقيقة واحدة: أن الحكمة لا تُقاس بكثرة الكلام، وإنما بقدرته على التعبير عن الحق، وفي الوقت المناسب، وبالأسلوب الذي يليق بالمقام.
إن الإنسان لا يصبح أكثر حكمة لأنه يتكلم كثيرًا، ولا لأنه يلوذ بالصمت دائمًا، بل لأنه يعرف متى يكون الكلام واجبًا، ومتى يكون السكوت أبلغ من كل بيان.
وفي زمن تتسارع فيه الأصوات، وتتنافس فيه الآراء على جذب الانتباه، يغدو الصمت الواعي فعلًا من أفعال الحكمة، لأنه يمنح الإنسان فرصة نادرة ليستمع إلى ما يغيب وسط الضجيج: صوته الداخلي.
وربما كانت أعظم قيمة للصمت أنه لا يبعد الإنسان عن العالم، بل يعيده إليه بقلب أكثر هدوءًا، وعقل أكثر صفاءً، ولسان أكثر مسؤولية.
للتأمل
يُنسب إلى كونفوشيوس قولٌ مشهور:
«الصمت صديقٌ أمين لا يخون.»
غير أن نسبة هذه العبارة إليه ليست ثابتة في المصادر التاريخية، وإن كانت تعبر عن روح كثير من تعاليمه التي تُعلي من شأن التروي، والإصغاء، وضبط اللسان.
أما العبارة الفلسفية الموثقة التي تبقى من أشهر ما قيل في هذا الباب فهي قول لودفيغ فيتغنشتاين:
«ما لا يمكن التحدث عنه ينبغي التزام الصمت حياله.»
ولعل الحكمة التي تجمع بين الفكرتين هي أن الصمت ليس انسحابًا من الحياة، بل اختيارٌ واعٍ للكلمة التي تستحق أن تُقال.
سؤال للتأمل:
كم مرة ندمت على كلمة قلتها في لحظة انفعال؟ وكم مرة ندمت لأنك التزمت الصمت حين كان الحق يحتاج إلى صوتك؟ وبين هذين الندمين، أين تكمن الحكمة؟
تـليد..
تعليقات
إرسال تعليق