إدارك الزيف قبل حدوثه والوهم قبل ظهوره ..
إنه بسم الله الرحمن الرحيم وبعد:
كلما اقترب الإنسان من نفسه... قلَّ احتياجه إلى تصفيق الآخرين
ما أكثر الضجيج الذي يحيط بالإنسان، وما أقل الأصوات التي تخرج من أعماقه.
لقد أصبح الناس يتنافسون في أن يُروا، أكثر من تنافسهم في أن يكونوا. حتى غدا الظهور غايةً، والقبول مطلبًا، والاستحسان رزقًا يتسابق إليه الجميع، وكأن قيمة الإنسان تُولد من أفواه الآخرين، لا من حقيقة نفسه.
غير أن النفس، مهما خدعتها لحظات التصفيق، لا تلبث أن تعود إلى حقيقتها.
فالمديح يملأ الأذن، لكنه لا يملأ الفراغ الذي في القلب.
والشهرة تمنح الإنسان أسماءً كثيرة، لكنها لا تمنحه اسمه الحقيقي.
والإعجاب قد يرفع صورته في أعين الناس، لكنه لا يرفع منزلته عند ضميره إن كان يعلم من نفسه ما لا يعلمه غيره.
ومن هنا يبدأ الفرق بين إنسانٍ يعيش ليُعجب به الناس، وإنسانٍ يعيش ليكون جديرًا باحترام نفسه.
إن الأول يبدل وجهه كلما تبدلت الوجوه التي تنظر إليه، أما الثاني فيبقى ثابتًا؛ لأن جذوره ليست في عيون البشر، وإنما في يقينه.
لقد رأيت في الحياة أن أقوى الناس ليس أكثرهم نفوذًا، ولا أكثرهم حضورًا، وإنما أكثرهم استغناءً عن التصفيق.
ذلك الذي إذا مُدح، لم يتكبر.
وإذا ذُمَّ، لم ينكسر.
لأنه يعلم أن الحقيقة لا تتغير بتغير الألسنة، كما أن الذهب لا يفقد قيمته إذا جهل الناس قدره.
إن الشجرة لا تطلب من العابرين أن يصفقوا لها كلما أثمرت.
والبحر لا ينتظر الثناء ليواصل مدَّه وجزره.
والشمس لا تتوقف عن الإشراق لأن غيمةً حجبتها عن بعض العيون.
فلماذا يربط الإنسان وجوده بما يقوله الناس عنه؟
ولعل الجواب أن النفس، في أول طريقها، تستمد قوتها من الخارج، فإذا نضجت، بدأت تستمدها من الداخل.
ولهذا ترى الطفل يفرح لكل كلمة مدح، ثم يكبر، فإن أحسن تربية نفسه، أدرك أن المديح رزقٌ جميل، لكنه لا يصلح أن يكون غذاءً دائمًا للروح.
إن الروح التي لا تعرف قيمتها إلا إذا قيل لها: أنت عظيم، ستعيش جائعةً إلى آخر العمر.
أما الروح التي عرفت نفسها، فإنها تشكر الثناء، لكنها لا تتوقف عليه، وتنتفع بالنقد، لكنها لا تُسلم له زمامها.
وهنا يبلغ الإنسان أول درجات الحرية.
ليس حين يفعل ما يشاء، بل حين لا يعود عبدًا لرضا الناس، ولا أسيرًا لخوفه من سخطهم.
فالعبودية ليست دائمًا قيودًا من حديد.
قد تكون كلمةً ينتظرها.
أو نظرةً يخشاها.
أو صورةً يحاول أن يحافظ عليها، ولو خسر نفسه في سبيلها.
وما أعظم المأساة حين ينجح الإنسان في إقناع العالم كله بأنه سعيد، بينما هو لم ينجح مرةً واحدةً في إقناع قلبه بذلك.
إن السلام الداخلي لا يُولد من كثرة المصفقين، وإنما من قلة التناقض بين ما يظهره الإنسان وما يضمره.
فإذا تصالح مع نفسه، هانت عليه أحكام الناس.
وإذا خاصم نفسه، لم تنفعه الدنيا كلها في إسكات ذلك الصوت الذي يسكن أعماقه.
ولعل الإنسان لا يصبح عظيمًا يوم يلتفت إليه الناس، وإنما يوم يستطيع أن يجلس وحده، في سكون الليل، فلا يحتاج إلى شاهدٍ على قيمته إلا ضميره، ولا إلى دليلٍ على مكانته إلا صدقه، ولا إلى مرآةٍ يرى فيها نفسه إلا قلبًا لا يعرف التزييف.
تليد..
تعليقات
إرسال تعليق