الزمن ومعترضاته ...2

 إنه بسم الله الرحمن الرحيم وبعد:





مارتن هايدغر: الإنسان كائن يعيش نحو المستقبل

حين تناول مارتن هايدغر مسألة الزمن، لم ينظر إليه بوصفه مجرد تعاقب للساعات والأيام، بل بوصفه البنية التي تتشكل فيها حياة الإنسان كلها. ففي كتابه الوجود والزمان، طرح فكرة عميقة مؤداها أن الإنسان لا يعيش داخل الزمن فحسب، بل إن وجوده نفسه يتحدد بعلاقته بالماضي والحاضر والمستقبل.

فالإنسان يحمل ماضيه في ذاكرته، ويعيش حاضره في ضوء خبراته السابقة، لكنه يتجه دائمًا نحو المستقبل. إنه يخطط، ويحلم، ويخاف، ويأمل، ويبني قراراته على ما يتوقع أن يكون، لا على ما هو كائن فقط.

ومن هنا، فإن الزمن ليس إطارًا خارجيًا يحيط بالإنسان، بل جزء من تكوينه الوجودي. فكل مشروع يبدأ اليوم يتجه نحو الغد، وكل ذكرى تستقر في الماضي تظل تؤثر في الحاضر، وكل قرار يتخذه الإنسان يحمل في داخله تصورًا لما يريد أن يصبح عليه.

ولهذا رأى هايدغر أن الإنسان يفقد أصالته عندما ينساق مع الأيام من غير وعي، ويستعيدها عندما يدرك أن عمره محدود، وأن كل لحظة تمضي لن تعود مرة أخرى.

هل نعيش في الحاضر حقًا؟

يكثر الحديث عن أهمية العيش في الحاضر، حتى أصبحت هذه العبارة تتردد في الكتب والمحاضرات ووسائل الإعلام. غير أن التأمل يكشف أن الإنسان نادرًا ما يعيش الحاضر بصورة كاملة.

فكم من مرة جلس الإنسان مع أسرته، بينما كان ذهنه منشغلًا بعمل الغد؟ وكم من مرة سار في طريق جميل، لكنه لم ير جماله لأنه كان يستعيد حزنًا مضى أو يقلق من أمر لم يقع؟

إن الجسد قد يكون حاضرًا في المكان، لكن الفكر يتنقل باستمرار بين الأمس والغد.

وهذا لا يعني أن التفكير في الماضي أو التخطيط للمستقبل خطأ، فالحياة لا تستقيم من دونهما، لكن المشكلة تبدأ عندما يبتلع أحدهما الحاضر كله.

فالماضي، مهما كان جميلًا أو مؤلمًا، لا يمكن تغييره. والمستقبل، مهما بلغ التخطيط له، يظل يحمل قدرًا من المجهول. أما الحاضر، فهو اللحظة الوحيدة التي يستطيع الإنسان أن يعمل فيها، ويغير، ويتعلم، ويحب، ويغفر.

ولهذا فإن قيمة الحاضر لا تكمن في أنه أطول الأزمنة، بل في أنه الزمن الوحيد الذي نملك التأثير فيه.

الزمن والندم

يرتبط الزمن، في حياة كثير من الناس، بشعور خفي اسمه الندم.

فالإنسان قد يندم على كلمة قالها، أو فرصة أضاعها، أو قرار اتخذه على عجل، ويظل يعود إليها في ذاكرته، وكأنه يحاول أن يعيد كتابة الماضي.

غير أن الزمن يعلمنا حقيقة لا مفر منها، وهي أن الماضي لا يعود.

وهنا لا يكون السؤال الحكيم: كيف أغيّر ما حدث؟ بل: كيف أتعلم مما حدث؟

إن الندم يصبح فضيلة عندما يدفع الإنسان إلى مراجعة نفسه وتصحيح مساره، لكنه يتحول إلى عبء عندما يصبح إقامة دائمة في الماضي، تمنع صاحبها من بناء مستقبله.

ولهذا فإن الحكمة لا تطلب من الإنسان أن ينسى أخطاءه، بل أن يمنعها من التحول إلى سجن يحول بينه وبين النمو.

الزمن والذاكرة... كيف يصنع الماضي هويتنا؟

ليست الذاكرة مجرد مستودع للأحداث، بل هي العنصر الذي يمنح الإنسان شعوره بالاستمرار.

فلو استيقظ إنسان ذات يوم فاقدًا جميع ذكرياته، لبقي جسده كما هو، لكن شخصيته ستصبح غريبة عنه. ذلك لأن الإنسان لا يتكون من لحظته الراهنة وحدها، بل من مجموع تجاربه، وانتصاراته، وإخفاقاته، وأحلامه، وعلاقاته.

إن الماضي لا يعيش خلفنا فقط، بل يعيش فينا.

غير أن الذاكرة ليست آلة تصوير تحفظ كل شيء كما وقع، بل تعيد ترتيب الأحداث، وتمنح بعضها أهمية أكبر من غيرها، وقد تخفف من قسوة بعض الذكريات أو تضخم أثر بعضها الآخر.

ولهذا، فإن الإنسان لا يحمل الماضي كما هو، بل كما فهمه وتأثر به.

ومن هنا تنبع أهمية المصالحة مع الماضي؛ لأن من يظل في صراع دائم مع ذكرياته، يجد صعوبة في أن يعيش حاضره بسلام أو يستقبل مستقبله بثقة.

هل الزمن عدو الإنسان؟

كثيرًا ما يُصوَّر الزمن على أنه القوة التي تسرق الشباب، وتُضعف الجسد، وتفرق الأحبة، وتقود الإنسان نحو نهايته. وهذه النظرة، على ما فيها من جانب واقعي، ليست الصورة الكاملة.

فالزمن هو الذي يمنح الطفل فرصة للنمو، ويمنح الجاهل فرصة للتعلم، ويمنح المخطئ فرصة للتوبة، ويمنح الجراح فرصة للالتئام.

ولولا مرور الزمن، لما نضج العقل، ولا اكتسب الإنسان الخبرة، ولا تبدلت الأحوال.

إن الزمن لا يصنع الخير ولا الشر، وإنما يكشف أثر ما يفعله الإنسان داخله.

فقد يخرج شخصان من عشر سنوات؛ أحدهما أكثر علمًا وحكمة وخلقًا، والآخر أكثر فراغًا وحسرة. والفرق بينهما ليس في الزمن الذي مُنح لكل واحد منهما، بل في الطريقة التي عاش بها ذلك الزمن.

ولهذا، فإن السؤال الحقيقي ليس: كم مضى من العمر؟ وإنما: ماذا صنع العمر فينا، وماذا صنعنا نحن بعمرنا؟




                                   تــليد..

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة