الحقيقة ......1

 إنه بسم الله الرحمن الرحيم وبعد:





أولاً قبل كُل شي ( الحق هو الله تعالى سبحانه وتعالى علوًا كبيرا)


أحببت أن أُعرج على أفضل مقولة قرأتها للكاتب الألماني الفريد إفرايم ليسينغ

"لو كان بيد الربّ لا إله إلا هو اليمنى الحقيقة كاملة وبيسراه البحث الدؤوب عنها المترافق مع السّعي الدائم والخطأ، ثم قال لي اختر، لجثوت على ركبتي عند يسراه وقلت له: إلهي أعطني ما في يدك اليسرى، أما الحقيقة الكاملة الناجزة كلّها فهي التي تليق بمجدك وجلالك)..


مقدمة

منذ أن رفع الإنسان بصره إلى السماء، وراح يتساءل عن العالم الذي يعيش فيه، بدأ يبحث عن شيء لا يُرى بالعين، ولا يُلمس باليد، لكنه يوجّه حياة البشر كلها؛ ذلك الشيء هو الحقيقة.

ولم يكن هذا البحث وليد عصر معين، ولا حكرًا على الفلاسفة والعلماء، بل رافق الإنسان في كل زمان ومكان. فالطفل يسأل ليعرف الحقيقة، والعالم يجري تجاربه طلبًا للحقيقة، والقاضي يفتش في الأدلة ليصل إلى الحقيقة، والمؤرخ يحاول تمييز الحقيقة من الرواية، وحتى الإنسان العادي، في تفاصيل حياته اليومية، يسعى إلى معرفة ما إذا كان ما يسمعه أو يراه أو يعتقده صحيحًا أم لا.

ومع ذلك، فإن الحقيقة ليست من المفاهيم التي يسهل تعريفها. فكلما ظن الإنسان أنه أمسك بها، ظهرت أسئلة جديدة تدعوه إلى إعادة النظر فيما كان يراه يقينًا. ولهذا لم تكن الفلسفة رحلةً للعثور على أجوبة نهائية، بقدر ما كانت تدريبًا مستمرًا على طرح الأسئلة الصحيحة.

إن البحث عن الحقيقة ليس ترفًا فكريًا، بل هو الأساس الذي تقوم عليه المعرفة، والعدالة، والأخلاق، وحتى قدرة الإنسان على فهم نفسه. فحين يضيع معيار الحقيقة، يصبح من الصعب التمييز بين الصواب والخطأ، وبين العلم والوهم، وبين الرأي والبرهان.

لماذا يبحث الإنسان عن الحقيقة؟

قد يبدو السؤال بسيطًا، لكنه يخفي وراءه قضية عميقة. فالإنسان لا يكتفي غالبًا بما يراه لأول وهلة، بل يشعر بدافع داخلي يدفعه إلى السؤال: لماذا؟ وكيف؟ وهل الأمر حقًا كما يبدو؟

هذه الرغبة في الفهم هي إحدى السمات التي تميز الإنسان عن سائر الكائنات. فهو لا يكتفي بالتكيف مع العالم، بل يحاول تفسيره، واكتشاف القوانين التي تحكمه، والبحث عن المعنى الكامن وراء ظواهره.

ولولا هذا الشغف، لما نشأت الفلسفة، ولا تطورت العلوم، ولا تقدمت الحضارات. إن كل اكتشاف عظيم بدأ بسؤال، وكل نظرية كبيرة وُلدت من شك في فكرة كانت تبدو بديهية.

ومن هنا، فإن الحقيقة ليست مجرد معلومة نضيفها إلى ذاكرتنا، بل هي طريق يدفع الإنسان إلى تجاوز الجهل، ومراجعة أفكاره، والاعتراف بأن المعرفة الحقيقية تبدأ حين يدرك المرء حدود ما يعرفه.

سقراط... الحكمة التي تبدأ بالاعتراف بالجهل

عندما يُذكر البحث عن الحقيقة، يبرز اسم سقراط بوصفه أحد أعظم من جعلوا السؤال وسيلة للوصول إلى المعرفة.

لم يترك سقراط كتبًا، لكن تلاميذه نقلوا طريقته في الحوار، وهي طريقة تقوم على طرح الأسئلة المتتابعة، لا لإحراج الطرف الآخر، بل لمساعدته على اكتشاف التناقضات في أفكاره، والوصول بنفسه إلى فهم أعمق.

وقد ارتبط اسمه بالقول الشهير: «كل ما أعرفه أنني لا أعرف شيئًا.» ورغم أن هذه الصيغة المتداولة ليست نصًا حرفيًا ثابتًا في مؤلفات أفلاطون، فإنها تعبر بدقة عن جوهر موقف سقراط؛ إذ كان يرى أن أخطر أنواع الجهل هو أن يظن الإنسان أنه يعلم وهو لا يعلم.

ولذلك، لم يكن الاعتراف بالجهل عند سقراط علامة ضعف، بل بداية الحكمة. فالإنسان الذي يوقن بأنه يمتلك الحقيقة كاملة يتوقف عن التعلم، أما الذي يدرك أن معرفته ناقصة، فإنه يظل مستعدًا للبحث، والمراجعة، والتصحيح.

إن هذه الروح النقدية هي التي جعلت سقراط واحدًا من أكثر الشخصيات تأثيرًا في تاريخ الفكر الإنساني، لأنها علمت الإنسان أن الحقيقة لا تُفرض بالقوة، ولا تُورث، بل تُكتسب بالحوار، والتأمل، والصدق مع النفس.

أفلاطون والحقيقة التي تتجاوز المظاهر

تلميذ سقراط، أفلاطون، نقل البحث عن الحقيقة إلى مستوى أكثر عمقًا. فقد رأى أن ما تدركه الحواس ليس دائمًا الحقيقة الكاملة، لأن الحواس قد تخدع، والظواهر قد تخفي وراءها جوهرًا لا يظهر للناظر لأول وهلة.

ولهذا صاغ تشبيهه الشهير المعروف بـأسطورة الكهف، حيث تخيل أناسًا عاشوا منذ ولادتهم داخل كهف، لا يرون من العالم إلا ظلالًا تنعكس على الجدار أمامهم، فيظنون أن تلك الظلال هي الحقيقة كلها.

ثم يتخيل خروج أحدهم إلى خارج الكهف، فيرى الشمس، والأشجار، والسماء، والعالم الحقيقي، فيدرك أن ما كان يراه من قبل لم يكن سوى صور باهتة لواقع أوسع.

لا تدعونا هذه الأسطورة إلى رفض العالم المحسوس، بل إلى الحذر من الاكتفاء بالمظاهر. فهي تذكرنا بأن الإنسان قد يظن أنه يعرف، بينما هو لا يرى إلا جزءًا محدودًا من الصورة.

ولذلك، فإن الفيلسوف، في نظر أفلاطون، ليس من يجمع المعلومات فقط، بل من يسعى إلى تجاوز الظاهر، والبحث عن المبادئ التي تمنح الأشياء معناها.

بين الحقيقة والرأي

من أكثر ما يربك الإنسان في حياته أن الآراء كثيرة، بينما الحقيقة واحدة في المسألة نفسها، حتى لو اختلف الناس في الوصول إليها.

فقد يمتلك كل إنسان رأيًا، لكن الرأي لا يصبح حقيقة لمجرد أن صاحبه يؤمن به. فالإيمان الشخصي، مهما كان صادقًا، لا يغني عن البرهان، ولا يحول الظن إلى يقين.

ولهذا ميز الفلاسفة منذ القدم بين الرأي الذي قد يصيب وقد يخطئ، وبين المعرفة التي تقوم على دليل، ومنهج، وقدرة على الاختبار والمراجعة.

وهذا التمييز يزداد أهمية في عصر تتدفق فيه المعلومات بسرعة هائلة، وتنتشر فيه الأخبار والآراء عبر وسائل متعددة، حتى أصبح الوصول إلى الحقيقة يحتاج إلى قدر كبير من التثبت، والنقد، وعدم التسرع في إصدار الأحكام.

إن الإنسان الحكيم لا يرفض الآراء المخالفة لمجرد اختلافها، ولا يقبلها لمجرد شيوعها، بل يزنها بميزان العقل، والدليل، والصدق.




                                  تــليد..

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة