لماذا يختلف الناس وهم يرون الحقيقة نفسها؟
إنه بسم الله الرحمن الرحيم وبعد:
لماذا يختلف الناس وهم يرون الحقيقة نفسها؟ (الجزء الثاني)
التربية... أول نافذة نطل منها على العالم
قبل أن يتعلم الإنسان القراءة والكتابة، يكون قد بدأ بالفعل في تكوين نظرته إلى الحياة.
فالطفل لا يرث من أسرته لون عينيه أو ملامحه فحسب، بل يرث أيضًا كثيرًا من طرائق التفكير، وأساليب الحكم على الأمور، وحتى طريقة تفسير الأحداث.
فالطفل الذي ينشأ في بيت يرى أن الخطأ فرصة للتعلم، يكبر وهو يتعامل مع الفشل بهدوء، ويبحث عن الحلول بدلًا من البحث عن المذنب.
أما الطفل الذي يسمع باستمرار أن الخطأ عار، وأن الاعتراف به ضعف، فقد يكبر وهو يخشى التجربة، أو يرفض الاعتذار، أو يدافع عن رأيه حتى عندما يكتشف أنه مخطئ.
إن التربية لا تمنح الإنسان معلومات فقط، بل تمنحه إطارًا ينظر من خلاله إلى العالم.
ولهذا قد يختلف شخصان في تفسير الموقف نفسه، لا لأن أحدهما أكثر ذكاءً، بل لأن كليهما يحمل إرثًا مختلفًا من التجارب والتربية.
الثقافة... عندما تتحدث البيئة بلسان الإنسان
لا يعيش الإنسان في فراغ.
فلكل مجتمع عاداته، وقيمه، ورموزه، ولغته، وكلها تؤثر في طريقة فهم أفراده للأحداث.
قد يكون التصرف نفسه علامة احترام في ثقافة معينة، بينما يُعد في ثقافة أخرى تصرفًا غير لائق.
وقد تُفسَّر الصراحة على أنها شجاعة عند بعض الشعوب، بينما يراها آخرون قسوة أو تجاوزًا.
وهذا لا يعني أن القيم كلها نسبية، وإنما يدل على أن الإنسان يتأثر بالبيئة التي نشأ فيها أكثر مما يظن.
ولذلك فإن فهم الآخرين يبدأ من إدراك أن الناس لا ينطلقون دائمًا من الخلفية نفسها.
لماذا يتمسك الإنسان برأيه؟
من أغرب ما توصلت إليه دراسات علم النفس أن الإنسان لا يبحث دائمًا عن الحقيقة، بل يبحث أحيانًا عما يؤكد ما يؤمن به أصلًا.
فعندما تتكون لدى الإنسان قناعة قوية، يبدأ عقله -دون أن يشعر- في ملاحظة الأدلة التي تؤيدها، بينما يقلل من أهمية الأدلة التي تعارضها.
ولهذا السبب قد يقرأ شخصان المقال نفسه، فيستخرج كل واحد منهما ما يوافق فكرته السابقة.
إن المشكلة ليست في نقص المعلومات دائمًا، بل في الطريقة التي ينتقي بها العقل تلك المعلومات.
ولهذا يحتاج الإنسان إلى شجاعة نادرة؛ شجاعة أن يسأل نفسه بين الحين والآخر:
"ماذا لو كنت مخطئًا؟"
هذا السؤال لا يضعف الشخصية، بل يحميها من الجمود.
بين القناعة والتعصب
القناعة ثمرة التفكير.
أما التعصب فهو رفض التفكير.
فالإنسان صاحب القناعة يستطيع أن يستمع، ويناقش، ويعرض حجته، وقد يغير رأيه إذا ظهر له الدليل.
أما المتعصب، فإنه يعتبر كل رأي مخالف تهديدًا له، لا فرصة لفهم جديد.
وقد قال الإمام الشافعي:
"رأيي صواب يحتمل الخطأ، ورأي غيري خطأ يحتمل الصواب."
هذه العبارة ليست دعوة إلى الشك في كل شيء، بل دعوة إلى التواضع العلمي، وإلى الاعتراف بأن الإنسان مهما بلغ علمه يبقى بحاجة إلى الحوار.
ولو سادت هذه الروح في النقاشات، لاختلفت كثير من الحوارات التي تنتهي اليوم بالخصومة بدل الفهم.
الإعلام... الحقيقة التي تُعرض من زاوية واحدة
تخيل أنك تقف أمام جبل.
إذا التقطت له صورة من الجهة الشرقية، فستبدو مختلفة عن الصورة الملتقطة من الجهة الغربية.
كلتا الصورتين صحيحة.
لكن كل واحدة منهما تُظهر زاوية مختلفة.
وهكذا تعمل وسائل الإعلام أحيانًا.
فطريقة عرض الخبر، واختيار الكلمات، وترتيب المعلومات، كلها تؤثر في الانطباع الذي يتكون لدى المتلقي.
ولذلك فإن الإنسان الواعي لا يكتفي بمصدر واحد، بل يحاول أن يرى الصورة من أكثر من زاوية، حتى يقترب من الحقيقة قدر الإمكان.
لماذا يصعب علينا فهم من يخالفنا؟
لأن الإنسان يقيس الآخرين بنفس معاييره.
فنحن نفترض غالبًا أن ما يبدو واضحًا لنا يجب أن يكون واضحًا للجميع.
لكن الواقع أكثر تعقيدًا.
فالذي عاش تجربة الفقر ينظر إلى المال بطريقة تختلف عن الذي وُلد في بيئة ميسورة.
ومن فقد شخصًا عزيزًا يرى الحياة بمنظار يختلف عمن لم يمر بالتجربة نفسها.
ومن سافر وتعرف إلى ثقافات متعددة ليس كمن لم يغادر مدينته قط.
ولهذا فإن الاختلاف لا يعني دائمًا أن أحد الطرفين سيئ النية أو قليل الفهم، بل قد يعني ببساطة أن كل واحد منهما يسير في الحياة بخريطة مختلفة.
هل يمكن أن نقترب من الحقيقة أكثر؟
نعم، ولكن ليس بالتشبث بآرائنا، وإنما بالسعي المستمر إلى التعلم.
فالإنسان الذي يقرأ، ويسأل، ويستمع، ويراجع نفسه، يصبح أكثر قدرة على رؤية الجوانب التي كانت غائبة عنه.
إن الحقيقة ليست بابًا يفتحه الإنسان مرة واحدة، بل رحلة طويلة من الاكتشاف.
وفي كل مرحلة منها يدرك أن ما كان يظنه نهاية المعرفة لم يكن إلا بدايتها.
ولهذا فإن أعظم العقول ليست تلك التي تدّعي امتلاك الحقيقة كاملة، بل التي تظل مستعدة للتعلم حتى آخر العمر.
وقفة للتأمل
لو طلبت من عشرة أشخاص وصف غروب الشمس، فمن النادر أن تتشابه أوصافهم، رغم أنهم ينظرون إلى المشهد نفسه.
فمنهم من يرى الجمال.
ومنهم من يتذكر فراقًا قديمًا.
ومنهم من يفكر في يوم العمل الذي انتهى.
ومنهم من ينتظر الليل ليستريح.
الغروب واحد.
أما الإنسان... فهو الذي يمنحه معناه.
يتبع في الجزء الثالث والأخير...
تليد..
تعليقات
إرسال تعليق