الكرامة الإنسانية ..

 إنه بسم الله الرحمن الرحيم وبعد:





وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ﴾
— سورة الإسراء، الآية 70.


مقدمة(الجزء الأول)

منذ أن بدأ الإنسان يتأمل نفسه، ظل سؤالٌ يتكرر في كل الحضارات: ما الذي يجعل الإنسان ذا قيمة؟

هل قيمته فيما يملكه من مال؟ أم فيما يبلغه من سلطة؟ أم في نسبه ومكانته الاجتماعية؟ أم أن هناك قيمةً أعمق تسبق كل هذه الأمور، ولا تزول بزوالها؟

لقد اختلفت الأمم في معايير التفوق، لكن فكرة واحدة بقيت حاضرة في ضمير الإنسانية، وهي أن الإنسان لا ينبغي أن يُعامل بوصفه شيئًا يُستعمل، بل كائنًا يمتلك قيمةً ذاتية تستحق الاحترام.

وهذه القيمة هي ما نسميه الكرامة الإنسانية.

فالكرامة ليست وسامًا يمنحه المجتمع لبعض الناس ويحجبه عن آخرين، وليست امتيازًا يرتبط بالغنى أو الشهرة أو القوة، وإنما هي قيمة أصيلة تلازم الإنسان لأنه إنسان.

ولهذا، فإن المجتمعات التي تحترم الكرامة الإنسانية تكون أكثر قدرة على تحقيق العدالة، ونشر السلام، وبناء الثقة بين أفرادها.

أما حين تُهان كرامة الإنسان، فإن الخوف يحل محل الطمأنينة، والظلم محل العدل، والصراع محل التعاون.

ومن هنا، لم تعد الكرامة موضوعًا أخلاقيًا فحسب، بل أصبحت أساسًا للقانون، وحقوق الإنسان، والفكر السياسي، والتربية، والعلاقات الاجتماعية.


ما معنى الكرامة الإنسانية؟

الكرامة الإنسانية هي القيمة الثابتة التي يمتلكها كل إنسان بحكم إنسانيته، والتي توجب احترامه، وعدم امتهانه، أو استغلاله، أو الحط من شأنه.

وهذا يعني أن الإنسان لا يفقد كرامته بسبب فقره، أو مرضه، أو تقدمه في السن، أو اختلاف لغته، أو ثقافته، أو أصله.

فالكرامة ليست جائزةً تُمنح للأفضل، بل حقٌّ أصيل لكل إنسان.

لكن هذا لا يعني أن جميع الناس سواء في أخلاقهم أو أعمالهم؛ فالتفوق في الفضيلة أو العلم أو الإنجاز أمرٌ آخر، أما الكرامة فهي الأصل الذي يشترك فيه الجميع.

ولهذا، فإن احترام الكرامة لا يمنع من محاسبة المخطئ، لكنه يمنع إهانته أو تجريده من إنسانيته.


الكرامة في الفلسفة اليونانية

اهتم الفلاسفة اليونانيون بالفضيلة أكثر من اهتمامهم بمصطلح الكرامة بصورته الحديثة، لكن أفكارهم مهدت الطريق لهذا المفهوم.

فقد رأى سقراط أن الإنسان ينبغي أن يهتم بإصلاح نفسه قبل أن ينشغل بالمظاهر الخارجية، لأن النفس الفاضلة هي أساس الحياة الطيبة.

أما أفلاطون، فقد ربط كرامة الإنسان بقدرته على تهذيب شهواته، وجعل العقل قائدًا للنفس.

في حين رأى أرسطو أن قيمة الإنسان تظهر عندما يحقق الفضيلة، ويستخدم عقله لتحقيق الخير.

ورغم اختلاف هذه الرؤى، فإنها تشترك في أن الإنسان يسمو بأخلاقه وعقله، لا بما يملكه من ثروة أو نفوذ.


إيمانويل كانط... الإنسان غاية لا وسيلة

إذا كان هناك فيلسوف ارتبط اسمه بمفهوم الكرامة الإنسانية، فهو إيمانويل كانط.

فقد وضع مبدأً أصبح من أشهر المبادئ الأخلاقية في تاريخ الفلسفة، ومضمونه:

«عامل الإنسانية، سواء في شخصك أو في شخص غيرك، دائمًا بوصفها غاية، لا مجرد وسيلة.»

ومعنى ذلك أن الإنسان لا يجوز استغلاله لتحقيق مصالح الآخرين، ولا يجوز أن يُعامل كأداة أو سلعة أو رقم.

فالكرامة، عند كانط، لا تُشترى، ولا تُباع، ولا تُقاس بالمنفعة.

ولهذا، فإن احترام الإنسان لا يعتمد على قوته أو ضعفه، ولا على نجاحه أو فشله، وإنما على كونه إنسانًا يمتلك عقلًا وإرادةً أخلاقية.

وقد أصبحت هذه الفكرة لاحقًا من الأسس التي بُنيت عليها كثير من الدساتير والمواثيق الدولية المتعلقة بحقوق الإنسان.


الكرامة في الفكر الإسلامي

جعل الإسلام الكرامة أصلًا من أصول النظرة إلى الإنسان، فجاء قوله تعالى:

﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ﴾

ليقرر أن التكريم يشمل الإنسان من حيث الأصل، قبل النظر إلى جنسه أو لونه أو لغته أو مكانته.

ومن هنا، حث الإسلام على صيانة النفس، وحفظ الحقوق، وتحريم الظلم، واحترام كرامة الإنسان حيًا وميتًا.

كما جعل العدل، والرحمة، والأمانة، والعفو، والإحسان، وسائل عملية لحماية هذه الكرامة في المجتمع.

ولهذا، فإن الكرامة في التصور الإسلامي ليست مجرد شعار، بل منظومة أخلاقية وقانونية تنعكس في تعامل الإنسان مع نفسه ومع غيره.


هل ترتبط الكرامة بالمال أو المنصب؟

من أكثر الأوهام انتشارًا أن قيمة الإنسان تزداد كلما ازدادت ثروته أو سلطته.

لكن التاريخ يقدم أمثلة لا تُحصى لأشخاص امتلكوا المال والنفوذ، ثم سقطوا من ذاكرة الناس بسبب ظلمهم أو فسادهم.

وفي المقابل، بقيت أسماء علماء، ومصلحين، وأدباء، وأطباء، ومعلمين، عاش كثير منهم حياة بسيطة، لكنهم تركوا أثرًا خالدًا لأنهم حافظوا على كرامتهم وكرامة الآخرين.

فالمال قد يمنح صاحبه قدرة على الشراء، لكنه لا يشتري الاحترام.

والمنصب قد يمنحه سلطة، لكنه لا يمنحه الشرف.

أما الكرامة، فهي تُكتسب بحسن الخلق، والعدل، والصدق، واحترام الإنسان لنفسه ولغيره.

ولهذا، قال علي بن أبي طالب:

«قيمةُ كلِّ امرئٍ ما يُحسنُه.»

وهي حكمة خالدة تشير إلى أن قيمة الإنسان تُقاس بما يقدمه من علم، وعمل، وخلق، لا بما يملكه من مظاهر زائلة.




                                    تـَليد..

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة