الكبرياء ..هل هو السجن الذي يبنيه الإنسان بيديه ؟
إنه بسم الله الرحمن الرحيم وبعد:
الكبرياء... السجن الذي يبنيه الإنسان بيديه
ما من سجنٍ أشد قسوةً من ذلك الذي لا تُرى قضبانه.
فسجون الحجر قد تُفتح أبوابها يومًا، أما السجون التي يبنيها الإنسان داخل نفسه، فقد يمضي عمره كله وهو يظن أنه حرٌّ، مع أنه لم يبرح مكانه خطوةً واحدة.
ولعل الكبرياء أحد تلك السجون الخفية.
إنه لا يمنع الإنسان من السير، ولكنه يمنعه من الاقتراب. ولا يمنعه من الكلام، ولكنه يمنعه من قول الكلمة التي يحتاج إليها قلبٌ آخر. ولا يمنعه من الحياة، ولكنه يسلب من حياته أدفأ ما فيها.
ومن أعجب ما رأيت في أحوال البشر أن بعضهم يبذل أعوامًا ليبني علاقةً، ثم يسمح لدقائق من العناد أن تهدمها. فإذا سألته بعد سنوات: ما الذي حدث؟ لم يجد جوابًا واضحًا. لأن الحقيقة لا تكون حدثًا عظيمًا، بل تراكمًا لصغائر لم تجد من يوقفها في بدايتها.
إن الكبرياء لا يهدم البيوت بضربةٍ واحدة، وإنما يُسقطها حجرًا بعد حجر.
حجرُ الصمت...
ثم حجرُ التأجيل...
ثم حجرُ انتظار المبادرة...
ثم حجرُ الاعتقاد بأن الوقت سيُصلح كل شيء.
لكن الوقت لا يُصلح ما يرفض الإنسان إصلاحه، بل يزيده رسوخًا. فالأرض التي لا تُزرع لا يمنحها الزمن ثمرًا، والقلب الذي يُترك للجفاء لا تُعيده الأيام كما كان.
ولقد تأملت طويلًا في أولئك الذين افترقوا، فوجدت أن أكثرهم لم يكونوا يكرهون بعضهم بعضًا، بل كانوا ينتظرون كلمةً لم تأتِ، وخطوةً لم تُخطَ، ويدًا لم تمتد. وكأن كل واحدٍ منهم كان يقول في نفسه: لو أنه بدأ، لتبعتُه إلى آخر الطريق.
فضاع الطريق... لأن الجميع كانوا ينتظرون أوله.
إن النفس إذا غلبها الكبرياء، أقنعتها أن الاعتذار يُنقص من قدرها، مع أن الحقيقة على الضد من ذلك. فما ازداد إنسانٌ قدرًا لأنه أصر على خطئه، ولا صغر آخر لأنه قال: أخطأت، فاعذرني.
وليس من الحكمة أن يخرج الإنسان من كل خصومةٍ منتصرًا، إذا كان ثمن ذلك أن يدخل بقيّة عمره وحيدًا.
فما قيمة الرأي إذا بقي صاحبه بلا قلبٍ يألفه؟
وما قيمة الانتصار إذا خلا البيت من المودة؟
وما قيمة الكلمة الأخيرة إذا كانت آخر ما بقي بين روحين كان يجمعهما الحب؟
إن الحياة، على قصرها، أكرم من أن تُستهلك في سباقات إثبات الذات. فما يلبث الإنسان أن يشيب، حتى يكتشف أن أكثر الأشياء التي قاتل من أجلها لم تكن تستحق كل ذلك العناء، وأن أكثر الناس الذين خسرهم لم يكونوا أعداءه، بل كانوا ضحايا نسخةٍ متصلبةٍ من نفسه.
ولعل أعظم علامات النضج أن يتوقف المرء عن سؤال: من انتصر؟
ويبدأ بسؤالٍ آخر:
ماذا بقي بعد هذا الانتصار؟
فإن كان الذي بقي بيتٌ عامر، وقلبٌ مطمئن، ونفسٌ راضية، فذلك انتصار.
وإن لم يبقَ إلا الصمت، والندم، وذكرياتٌ تتردد في آخر الليل، فليس ذلك إلا اسمًا جميلًا لهزيمةٍ طويلة.
استيقظ من بعض الوهم يا صاحب العقل المديد...
تليد..
تعليقات
إرسال تعليق