هل الحكمة تُكتسب أم تُعلم ؟
إنه بسم الله الرحمن الرحيم وبعد:
هل الحكمة تُتعلَّم... أم تُولد من الألم؟
منذ أن وطئت قدم الإنسان هذه الأرض، وهو يطارد الحكمة كما يطارد المسافرُ نورًا يلوح في آخر الأفق. يقرأ الكتب، ويستمع إلى الشيوخ، ويجالس العلماء، ويطوف بين تجارب الناس، ثم يعود إلى نفسه متسائلًا:
هل أصبحت أكثر حكمة؟
ولعل السؤال الأعمق ليس: كيف نبلغ الحكمة؟
بل: من أين تأتي أصلًا؟
أتأتي من كثرة ما نقرأ؟
أم من كثرة ما نفقد؟
أتولد بين صفحات الكتب، أم بين أنقاض الأحلام؟
إن الناس يختلفون في الجواب، غير أنهم يكادون يجتمعون على أمرٍ واحد؛ وهو أن الحكمة لا تُشبه المعرفة.
فالمعرفة تستطيع أن تُلقَّن.
وتستطيع أن تُحفظ.
وتستطيع أن تُورَّث.
أما الحكمة، فهي شيءٌ آخر.
إنها ليست كثرة المعلومات، وإنما حسن استعمالها.
وليست سرعة الجواب، وإنما معرفة متى يجب أن نصمت.
وليست أن ترى الطريق وحدك، وإنما أن تدرك أن لكل إنسان طريقًا لا يشبه طريقك.
كم من رجلٍ امتلأت مكتبته بالكتب، وبقيت نفسه ضيقةً لا تحتمل رأيًا مخالفًا.
وكم من آخر لم يعرف من العلم إلا قليلًا، لكنه خرج من محنةٍ واحدة بقلبٍ أرحب، وعقلٍ أهدأ، ولسانٍ أقل استعجالًا في الحكم على الناس.
فأيُّهما أقرب إلى الحكمة؟
إن الألم معلمٌ عجيب.
لكنه ليس معلمًا عادلًا دائمًا.
فهو لا يمنح جميع الناس الدرس نفسه.
هناك من يخرج من المحنة أكثر رحمة.
وهناك من يخرج منها أكثر قسوة.
هناك من تكسره الخسارة، فيتعلم التواضع.
وهناك من تكسره، فيبني حول نفسه أسوارًا لا يدخلها أحد.
إذن، ليس الألم وحده هو الذي يصنع الحكمة.
وإلا لكان كل متألمٍ حكيمًا.
والواقع يشهد بغير ذلك.
إن الذي يصنع الحكمة ليس وقوع الألم، بل طريقة استقبال الإنسان له.
فالمحنة باب.
قد يخرج منه إنسانٌ وهو يحمل نورًا.
وقد يخرج منه آخر وهو يحمل ظلامًا.
والباب واحد.
ولعل الكتب تشبه الخرائط.
تدلُّ المسافر على الطريق.
أما السير فيه، فلا يغني عنه كتاب.
ولهذا يستطيع الإنسان أن يقرأ ألف كتابٍ عن الصبر، ثم ينهار عند أول ابتلاء.
ويستطيع أن يقرأ عشرات الكتب عن التسامح، ثم يعجز عن مسامحة شخصٍ واحد.
لأن بعض الحقائق لا تسكن العقل حتى تمرَّ بالقلب.
وهنا تتعانق المعرفة والتجربة.
فالمعرفة تُنير الطريق.
والتجربة تختبر صدق السير فيه.
ومن اجتماعهما، قد تولد الحكمة.
ولعل أخطر ما يواجه الإنسان أن يظن أن كثرة السنوات دليلٌ على الحكمة.
فالزمن يُضيف إلى العمر، لكنه لا يُضيف بالضرورة إلى البصيرة.
قد يعيش رجلٌ ثمانين عامًا، ولا يزال يكرر أخطاءه الأولى.
وقد يعيش آخر نصف ذلك العمر، لكنه يتعلم من كل سقطة، حتى تصبح كل تجربةٍ لبنةً في بناء نفسه.
إن الأعوام تُحصى بالتقويم.
أما الحكمة، فتُحصى بعدد المرات التي غيَّر فيها الإنسان نفسه بعد أن عرف خطأها.
وربما لهذا السبب، كان الحكماء أقل الناس يقينًا بأنهم حكماء.
كلما اتسعت رؤيتهم، رأوا من تعقيد الحياة ما يمنعهم من إطلاق الأحكام بسهولة.
وكلما اقتربوا من الحقيقة، أدركوا أن الحقيقة أكبر من أن يحيط بها عقلٌ واحد.
لذلك، فإن الحكمة ليست نهاية الرحلة.
إنها الطريقة التي نمشي بها في الرحلة.
وليست أن تصل إلى جوابٍ لا يتغير.
بل أن تبقى مستعدًا لمراجعة نفسك كلما ظهر لك من الحق ما لم تكن تراه بالأمس.
فإذا سألتني:
هل الحكمة تُتعلَّم أم تُولد من الألم؟
لقلت:
الحكمة لا تُولد من الألم وحده، ولا من الكتب وحدها.
إنها تُولد حين يلتقي عقلٌ يتعلم... بقلبٍ لم يسمح للألم أن يفسده.
وهذا اللقاء، في ظني، من أندر ما يبلغه الإنسان في حياته.
وقمة الحكمة أن الله واحدٌ أحد وقاهِرٌ فوق عباده مُجري الرياح وحده لا شريك له في مٌلكه ولا قدرته جلّ جلاله وسبحانه عما يصفون ونصف هو الذي ليس كمثله شيء كما أني أعوذ بك سبحانك من زلات اللسان وزلقات الجِنان.
تليد..
تعليقات
إرسال تعليق