الإرادة حقيقة أم وهم ....1

 إنه بسم الله الرحمن الرحيم وبعد:





«ما يقع في سلطانك هو حكمك وإرادتك، أما ما ليس في سلطانك فلا ينبغي أن تستعبد نفسك له.»
— فكرة مستلهمة من فلسفة إبيكتيتوس

مقدمة

يستيقظ الإنسان كل صباح وهو يحمل بين جنبيه قوة لا تُرى بالعين، ولا تُقاس بميزان، ولا تُشترى بالمال، ومع ذلك قد تكون السبب في بناء حضارة، أو في تغيير مصير فرد، أو في النهوض بعد سقوط ظن الجميع أنه النهاية. تلك القوة هي الإرادة؛ الكلمة التي كثيرًا ما تُقال، لكنها نادرًا ما تُفهم على حقيقتها.

حين يحقق إنسان إنجازًا كبيرًا، يُقال إن إرادته كانت أقوى من العقبات. وحين يعجز آخر عن بلوغ هدفه، يُتهم بضعف الإرادة. غير أن هذه الأحكام السريعة تخفي وراءها سؤالًا أكثر عمقًا: ما الإرادة في حقيقتها؟ وهل هي قوة مستقلة تسكن الإنسان، أم أنها نتيجة لتفاعل العقل، والعاطفة، والخبرة، والظروف؟

لم يكن اهتمام الفلاسفة بالإرادة وليد الفضول، بل لأنها تقف عند نقطة التقاء أهم القضايا الإنسانية: الحرية، والمسؤولية، والأخلاق، والهوية. فمن دون إرادة واعية يصعب الحديث عن اختيار حقيقي، ومن دون اختيار حقيقي تبهت قيمة المسؤولية، ويصبح الإنسان أقرب إلى كائن تحركه الظروف أكثر مما يقودها.

لهذا، لم يكن السؤال عن الإرادة سؤالًا نفسيًا فحسب، بل كان سؤالًا عن ماهية الإنسان ذاته.

ما الإرادة؟ بين اللغة والفلسفة

في الاستعمال اليومي، تُفهم الإرادة على أنها العزم أو التصميم على إنجاز أمر معين. أما في الفلسفة، فإن معناها أوسع وأعمق؛ فهي القدرة التي تمكّن الإنسان من تحويل الفكرة إلى فعل، والرغبة إلى قرار، والقرار إلى ممارسة مستمرة.

قد يرغب الإنسان في النجاح، لكن الرغبة وحدها لا تكفي. وقد يحلم بحياة أفضل، لكن الأحلام لا تغير الواقع ما لم تتحول إلى عمل منظم. وهنا تظهر الإرادة بوصفها الجسر الذي يصل بين النية والإنجاز.

ولهذا السبب، ميّز الفلاسفة بين الرغبة والإرادة. فالرغبة قد تكون عاطفة عابرة، أما الإرادة فهي موقف ثابت يواصل السير حتى عندما تخبو الحماسة، أو تتعثر الخطوات، أو تتأخر النتائج.

ولهذا يرى أرسطو في فلسفته الأخلاقية أن الفضيلة لا تتحقق بالأمنيات، وإنما بالأفعال المتكررة التي يختارها الإنسان عن وعي، حتى تصبح جزءًا من شخصيته.

لماذا يريد الإنسان أشياءً ثم لا يفعلها؟

هذه واحدة من أكثر المفارقات حضورًا في الحياة اليومية. كم من شخص قرر أن يقرأ كل يوم، ثم ترك الكتاب بعد أيام قليلة؟ وكم من إنسان عزم على تغيير عادة تؤذيه، ثم عاد إليها كأن شيئًا لم يكن؟

هذه الظاهرة دفعت الفلاسفة إلى التساؤل: إذا كان الإنسان يعرف الخير، فلماذا لا يفعله دائمًا؟

ناقش أرسطو هذه القضية في حديثه عن ضعف الإرادة، ورأى أن الإنسان قد يدرك الصواب بعقله، لكنه يخضع في لحظة معينة لرغبة أقوى من حكمه العقلي. ومن هنا لا يكون الصراع بين المعرفة والجهل، بل بين العقل والاندفاع.

ولا يزال هذا التحليل قريبًا من واقعنا اليوم. فكثير من قراراتنا لا تفشل لأننا نجهل الطريق، بل لأننا نعجز عن الثبات عليه. ولذلك، فإن بناء الإرادة لا يبدأ بإضافة معلومات جديدة، بل بتدريب النفس على الاستمرار فيما تعرف أنه صواب، حتى عندما يصبح ذلك مرهقًا.

إن الإنسان لا يختبر إرادته في الأيام السهلة، بل في الأيام التي يتساوى فيها طريق الاستسلام مع طريق المقاومة، ثم يختار رغم ذلك أن يمضي قدمًا.




                                     تَلــيد ..

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة