الإرادة حقيقة أم وهم ....2

إنه بسم الله الرحمن الرحيم وبعد:





الإرادة بين العقل والعاطفة

من الأخطاء الشائعة أن يُنظر إلى الإرادة بوصفها قوةً تعمل بمعزل عن بقية جوانب النفس الإنسانية. والحقيقة أن الإرادة لا تعيش في فراغ؛ فهي تتأثر بالعقل، وتتحاور مع العاطفة، وتتعلم من التجربة، وتضعف أو تقوى بحسب ما يكتسبه الإنسان من عادات.

ولهذا فإن الإنسان لا ينجح لأنه يمتلك إرادةً قوية فحسب، بل لأنه يعرف كيف يجعل عقله يقود عاطفته، لا أن يُلغيها. فالعاطفة تمنح الحياة دفئها، لكنها إذا انفردت بقيادة الإنسان قد تدفعه إلى قرارات يندم عليها. أما العقل فيمنحه القدرة على الموازنة بين ما يريده الآن وما سيكون أصلح له في المستقبل.

ومن هنا رأى إيمانويل كانط أن قيمة الإرادة لا تُقاس بقوة الرغبة، بل بقدرتها على الالتزام بما يراه العقل واجبًا أخلاقيًا، حتى عندما يكون ذلك شاقًا.

وقد كتب كانط في مطلع كتابه أساس ميتافيزيقا الأخلاق:

«ليس في العالم، ولا حتى خارجه، ما يمكن اعتباره خيرًا على الإطلاق إلا الإرادة الخيّرة.»

لم يكن يقصد أن الإرادة وحدها تكفي لصناعة الإنسان الكامل، بل أراد أن يؤكد أن قيمة الفعل الأخلاقية لا تُستمد من نتائجه وحدها، وإنما من الدافع الذي صدر عنه. فقد يفعل شخصان العمل نفسه، لكن أحدهما يفعله طلبًا للثناء، والآخر يؤديه لأنه يعتقد أنه الصواب، وهنا يختلف المعنى الأخلاقي للفعل، وإن تشابهت صورته.

شوبنهاور: هل الإرادة هي الحاكم الخفي؟

إذا كان كانط قد منح الإرادة مكانة أخلاقية رفيعة، فإن آرثر شوبنهاور نظر إليها من زاوية مختلفة تمامًا.

ففي فلسفته، لا تُعد الإرادة مجرد قدرة على الاختيار، بل هي القوة العميقة التي تدفع الكائنات كلها إلى الاستمرار في الوجود. وكان يرى أن الإنسان كثيرًا ما يظن أنه يتصرف بحرية كاملة، بينما تحركه دوافع ورغبات لا يدركها إدراكًا كاملًا.

وقد كتب:

«الإنسان يستطيع أن يفعل ما يريد، لكنه لا يستطيع أن يريد ما يريد.»

وهذه العبارة من أشهر أقواله وأكثرها إثارة للنقاش. فهي لا تنكر أن الإنسان يتخذ قرارات، لكنها تدعو إلى التساؤل عن مصدر رغباته نفسها. لماذا يميل شخص إلى العلم وآخر إلى الفن؟ ولماذا ينجذب إنسان إلى المخاطرة بينما يفضل غيره الأمان؟ وهل اختار الإنسان ميوله بإرادته، أم أنها تشكلت قبل أن يعيها؟

لا تقدم فلسفة شوبنهاور جوابًا نهائيًا، لكنها تدفعنا إلى التواضع في الحكم على أنفسنا والآخرين، لأن جزءًا من دوافعنا قد يكون أعمق مما نتصور.

نيتشه: الإرادة بوصفها قوةً للارتقاء

أما فريدريش نيتشه فقد رفض أن تكون الإرادة مجرد وسيلة للبقاء، ورأى فيها قوة تدفع الإنسان إلى تجاوز حدوده، وصناعة ذاته، والارتقاء بإمكاناته.

ومن الأفكار المحورية في فلسفته مفهوم إرادة القوة، وهو مفهوم كثيرًا ما أُسيء فهمه. فلم يكن نيتشه يدعو إلى السيطرة على الآخرين بقدر ما كان يشجع الإنسان على الانتصار على ضعفه، والتغلب على خوفه، وتجاوز ما يعوق نموه الداخلي.

ولهذا كتب:

«من كان لديه سبب يعيش من أجله، استطاع أن يتحمل تقريبًا أي كيف.»

ورغم أن هذه العبارة تُنسب كثيرًا إلى نيتشه، فإنها ترد بصياغة قريبة في كتاباته، وأصبحت من أشهر أفكاره. وهي تذكرنا بأن الإرادة لا تنبع من القوة الجسدية وحدها، بل من وجود معنى يمنح الإنسان القدرة على الصبر والثبات.

فالإنسان الذي يعرف لماذا يعمل، ولماذا يتعلم، ولماذا يصبر، يكون أقدر على مواجهة التعب ممن يسير بلا غاية واضحة.

هل الإرادة موهبة أم مهارة؟

يعتقد بعض الناس أن الإرادة هبة يولد بها الإنسان، وأن من لم يُرزق بها فلن يكتسبها أبدًا. لكن التأمل في حياة البشر يكشف أن الإرادة تشبه العضلة؛ تقوى بالتمرين، وتضعف بالإهمال.

فالإنسان لا يبدأ بإنجاز الأعمال العظيمة، بل يبدأ بخطوات صغيرة يكررها حتى تصبح جزءًا من عاداته. ومن يلتزم بقراءة عشر صفحات يوميًا، أو بالمشي نصف ساعة كل صباح، أو بتعلم مهارة جديدة باستمرار، لا يبني عادة فحسب، بل يبني في الوقت نفسه إرادة أكثر صلابة.

ولهذا فإن الفشل الأول لا يعني ضعف الإرادة، كما أن النجاح الأول لا يضمن قوتها. إن الإرادة تُصقل بالتكرار، وبالقدرة على النهوض بعد التعثر، لا بعدم التعثر أصلًا.

ولهذا السبب، فإن أكثر الناس ثباتًا ليسوا أولئك الذين لم يسقطوا قط، بل الذين تعلموا كيف يقفون بعد كل سقوط، ويستأنفون الطريق بعزمٍ أكثر هدوءًا، وحكمةٍ أكثر عمقًا.




                                    تليد ..

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة