الحكمة ضآله ..1

 إنه بسم الله الرحمن الرحيم وبعد:





«إن معرفة نفسك هي بداية الحكمة.»
تُنسب هذه العبارة إلى سقراط في الثقافة الفلسفية، وتعبر عن جوهر منهجه في التأمل والحوار، وإن لم ترد بهذه الصيغة الحرفية في المصادر القديمة.


مقدمة

لا يكاد يخلو مجتمع من الإعجاب بالإنسان الحكيم. فمنذ أقدم العصور، كان الناس يلجؤون إلى صاحب الحكمة طلبًا للمشورة، ويثقون في رأيه عند اشتداد الأزمات، ويعدّون كلماته أثمن من المال؛ لأنها تساعدهم على رؤية ما لا يظهر للعين لأول وهلة.

لكن ما الحكمة حقًا؟

هل هي كثرة المعرفة؟ أم سرعة البديهة؟ أم التقدم في العمر؟ وهل يكفي أن يقرأ الإنسان مئات الكتب حتى يُوصف بالحكيم؟ أم أن الحكمة تنشأ من شيء أعمق من مجرد تراكم المعلومات؟

إن هذه الأسئلة صاحبت الفلسفة منذ بداياتها. ولم يكن ذلك من قبيل المصادفة، فالكلمة اليونانية "فيلوسوفيا" تعني حرفيًا "محبة الحكمة"، لا امتلاكها. وهذا المعنى يحمل دلالة بالغة؛ إذ إن الفيلسوف الحقيقي لا يدّعي أنه وصل إلى الحكمة الكاملة، بل يظل طالبًا لها طوال حياته.

ولعل أول ما ينبغي إدراكه هو أن الحكمة ليست شيئًا يُقاس بكمية المعلومات التي يحفظها الإنسان، بل بطريقة استخدامه لتلك المعلومات في فهم الحياة، واتخاذ القرارات، والتعامل مع الآخرين، ومواجهة المواقف الصعبة بعقل متزن وقلب منصف.

إن المعرفة تخبرنا بما هو موجود، أما الحكمة فترشدنا إلى ما ينبغي أن نفعله بما نعرفه.

ولهذا قد نجد إنسانًا واسع الثقافة، لكنه يفتقر إلى حسن التقدير، كما قد نجد آخر لا يحمل شهادات كثيرة، لكنه يمتلك بصيرة نافذة تجعله يحسن التصرف في المواقف التي يعجز عنها غيره.

ومن هنا، فإن الحكمة ليست بديلًا عن المعرفة، بل هي الغاية التي ينبغي أن تقودها المعرفة.


الفرق بين المعرفة والحكمة

كثيرًا ما تُستخدم كلمتا المعرفة والحكمة على أنهما مترادفتان، مع أن الفلاسفة ميّزوا بينهما منذ زمن بعيد.

فالمعرفة هي امتلاك المعلومات، وفهم الوقائع، وإدراك العلاقات بين الأشياء. أما الحكمة فهي القدرة على توظيف تلك المعرفة بطريقة تحقق الخير، وتراعي العواقب، وتحفظ التوازن بين العقل والعاطفة.

قد يعرف الطبيب تفاصيل المرض، لكن الحكمة هي التي تعلّمه كيف يطمئن المريض قبل أن يصف له العلاج.

وقد يعرف القاضي نصوص القانون، لكن الحكمة هي التي تعينه على فهم ظروف القضية دون الإخلال بالعدل.

وقد يعرف الأب أو الأم أساليب التربية، لكن الحكمة هي التي تساعدهما على اختيار الأسلوب المناسب لكل موقف، ولكل طفل.

إن المعرفة تجيب عن سؤال: ماذا؟

أما الحكمة فتجيب عن سؤال: كيف؟ ولماذا؟ ومتى؟

ولهذا، فإن الحضارات التي ازدهرت لم تعتمد على كثرة العلماء وحدها، بل احتاجت أيضًا إلى حكماء يستطيعون توجيه العلم نحو خدمة الإنسان، لا نحو الإضرار به.


لماذا لا تكفي المعرفة وحدها؟

لو كانت المعرفة وحدها تكفي لصنع الإنسان الحكيم، لما رأينا أشخاصًا على قدر عالٍ من التعليم يرتكبون أخطاء فادحة في حياتهم الشخصية أو المهنية.

فالإنسان قد يعرف أن الغضب يفسد العلاقات، لكنه لا ينجح في السيطرة على نفسه عند أول خلاف.

وقد يعلم أن الصدق فضيلة، لكنه يلجأ إلى الكذب عندما يخشى الخسارة.

وقد يدرك أهمية الاعتدال، لكنه يندفع وراء رغباته حتى تؤذيه.

وهذا يبين أن المشكلة ليست دائمًا في نقص المعلومات، بل في القدرة على تحويل المعرفة إلى سلوك.

إن الحكمة تبدأ عندما تصبح المعرفة جزءًا من شخصية الإنسان، لا مجرد معلومات محفوظة في ذاكرته.

ولهذا قال بعض المفكرين إن المعرفة تسكن العقل، أما الحكمة فتسكن العقل والضمير معًا.


أرسطو... الحكمة بوصفها فضيلة عملية

قدم أرسطو أحد أكثر التصورات تأثيرًا للحكمة في تاريخ الفلسفة.

فقد ميّز بين أنواع مختلفة من المعرفة، ورأى أن هناك نوعًا من الحكمة يتعلق بالتأمل في المبادئ الكبرى، ونوعًا آخر يتعلق بالحياة العملية، وهو ما يُعرف في الترجمات العربية بـالحكمة العملية.

ويقصد بها القدرة على اتخاذ القرار الصحيح في المواقف اليومية، بعد الموازنة بين المصالح، والنظر في النتائج، والالتزام بالفضيلة.

ولم يكن أرسطو يرى أن الفضيلة تنشأ بالمصادفة، بل تُكتسب بالممارسة المستمرة.

فالإنسان لا يصبح عادلًا لأنه يعرف معنى العدالة، بل لأنه يمارسها.

ولا يصبح شجاعًا لأنه يعجب بالشجاعة، بل لأنه يتصرف بشجاعة عندما يقتضي الموقف ذلك.

ولهذا أكد أن الشخصية الإنسانية تُبنى بالعادات التي يكررها الإنسان كل يوم.

فكل قرار، مهما بدا صغيرًا، يسهم في تشكيل الإنسان الذي سيكون عليه في المستقبل.

ومن هنا، فإن الحكمة ليست لحظة إلهام عابرة، بل ثمرة حياة كاملة من التعلم، والمراجعة، والتجربة، والالتزام الأخلاقي.


هل الحكيم معصوم من الخطأ؟

من التصورات الخاطئة أن الحكيم هو الإنسان الذي لا يخطئ.

لكن الواقع، والفلسفة، والتاريخ، كلها تشير إلى غير ذلك.

فالحكيم يخطئ كما يخطئ غيره، غير أن الفارق يكمن في طريقته في التعامل مع الخطأ.

فالإنسان غير الحكيم قد يبرر أخطاءه، أو يلقي اللوم على الآخرين، أو يكرر التجربة نفسها دون أن يتعلم منها.

أما الحكيم، فإنه ينظر إلى الخطأ بوصفه معلمًا قاسيًا، لكنه صادق.

إنه يسأل نفسه: ماذا تعلمت؟ وكيف أتجنب هذا الخطأ مستقبلًا؟ وما الذي كشفه هذا الموقف عن نقاط ضعفي؟

ولهذا، فإن الحكمة لا تعني الكمال، لأن الكمال ليس من صفات البشر، وإنما تعني الاستعداد الدائم للتعلم، حتى من الإخفاقات.

وربما لهذا السبب نجد أن أكثر الناس حكمة هم أولئك الذين مروا بتجارب صعبة، ولم تسمح لهم تلك التجارب بأن يتحولوا إلى أشخاص أكثر قسوة، بل جعلتهم أكثر فهمًا لأنفسهم، وأكثر رحمة بالآخرين.


الحكمة والإنصات

من الصفات التي تتكرر عند الحكماء في مختلف الحضارات قدرتهم على الإنصات.

فالإنسان الذي يتكلم باستمرار قد ينقل ما يعرفه، لكنه لا يضيف إلى معرفته شيئًا جديدًا.

أما الذي يحسن الإصغاء، فإنه يفتح أمام نفسه أبوابًا لفهم تجارب الآخرين، واكتشاف زوايا جديدة للنظر إلى الحياة.

ولهذا لم يكن الحكماء يتعجلون الردود، بل كانوا يمنحون السؤال حقه، ويزنون الكلمات قبل أن ينطقوا بها.

إن الكلمة قد تُقال في لحظة، لكنها قد تبقى أثرًا في نفس صاحبها سنوات طويلة.

ولذلك، فإن الحكمة لا تظهر فقط في جودة الأفكار، بل أيضًا في حسن اختيار الوقت، والأسلوب، والعبارة.




                             تــليد..

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة