أنا... الرجل الذي لم تصل حكايته إلى نهايتها بعد

 إنه بسم الله الرحمن الرحيم وبعد :




ليس من السهل أن يكتب الإنسان عن نفسه.

فالكتابة عن الآخرين تمنحك مسافة آمنة، أما حين تكتب عن نفسك فلا توجد مسافة. تصبح أنت الكاتب والحكاية والشاهد، وربما المتهم أيضًا.

لهذا لن أكتب هذه الكلمات لأبدو قويًا، ولن أختار من حياتي الأجزاء الجميلة فقط كي أصنع صورة مثالية عن نفسي. أريد أن أتحدث عني كما أنا: إنسان مرَّ بتحديات، أخطأ وأصاب، خسر وربح، تغيّر كثيرًا، وما زال يحاول أن يفهم ماذا صنعت به السنوات.

أنا تليد.

وهذه ليست قصة نجاح؛ لأنني لا أعرف بعد أين ستكون النهاية.

إنها قصة استمرار.

لم أعد الرجل الذي كنت أعرفه

حين أنظر إلى نفسي قبل سنوات، أشعر أحيانًا أنني أنظر إلى شخص أعرفه جيدًا، لكنه لم يعد موجودًا بالكامل.

كانت لدي أفكار تغيرت.

أشياء كنت أراها عظيمة أصبحت صغيرة.

وأشياء كنت أمر بجانبها دون اهتمام أصبحت اليوم من أثمن ما أملك.

الحياة تفعل ذلك بالإنسان.

لا تدخل إليه دائمًا من الباب الذي يتوقعه، ولا تعطيه دروسها في الوقت الذي يكون مستعدًا لها. أحيانًا تضعه أمام التجربة أولًا، وتترك الفهم يأتي بعد سنوات.

وقد مررت بما جعلني أعيد النظر في أشياء كثيرة.

في النجاح.

في الخسارة.

في الناس.

في نفسي.

وفي السؤال الأصعب:

ماذا يبقى من الإنسان عندما تسقط الأشياء التي كان يعرّف نفسه من خلالها؟

لم أجد جوابًا واحدًا.

لكنني بدأت أفهم أن بعض التحديات لا تأتي لتختبر مقدار قوتك فقط؛ بل لتكشف لك الأشياء التي كنت تظن أنها جزء منك، بينما كانت مجرد أشياء حولك.

لدي معاركي التي لا يراها أحد

كل إنسان يحمل معارك لا تظهر في صورته.

وأنا لست استثناءً.

واجهت أبوابًا حاولت فتحها أكثر من مرة، وعرفت معنى أن تفعل ما تستطيع ثم تجد النتيجة معلقة في مكان لا تستطيع الوصول إليه.

عرفت الانتظار.

وعرفت الإحباط.

وعرفت ذلك الشعور الغريب عندما تكون متأكدًا أنك بذلت جهدك، ومع ذلك لا تسير الأشياء بالطريقة التي خططت لها.

لكنني تعلمت شيئًا مهمًا:

ليست كل معركة نخسرها دليلًا على أننا ضعفاء، وليست كل معركة نربحها دليلًا على أننا كنا على حق.

بعض المعارك وظيفتها الوحيدة أن تكشف لنا أنفسنا.

كيف نتصرف عندما يتأخر ما نريد؟

كيف نتعامل مع الرفض؟

هل نستمر عندما لا يشاهدنا أحد؟

هل نظل نحن عندما تصبح الظروف ضدنا؟

هذه الأسئلة لم أتعلمها من كتاب.

دفعت ثمنها من الوقت.

تليد ليست مجرد مدونة بالنسبة إليّ

في مرحلة ما، بدأت أكتب.

وقد يبدو الأمر لمن يراه من الخارج بسيطًا: مدونة، مقالات، عناوين، صفحات، محركات بحث، أرقام ومشاهدات.

لكنني أعرف أن المسألة بالنسبة إليّ أكبر من ذلك.

تليد مكان أضع فيه شيئًا مني.

كل عنوان أختاره تقريبًا يحمل سؤالًا فكرت فيه.

لماذا نتغير؟

لماذا نخسر؟

ماذا يفعل الزمن بنا؟

ما الفرق بين أن نعرف شيئًا وأن ندركه؟

لماذا لا نفهم قيمة بعض اللحظات إلا بعدما تصبح ذكريات؟

كنت أكتب عن الإنسان، لكنني اكتشفت أنني في كثير من الأحيان كنت أكتب عن نفسي دون أن أذكر اسمي.

ربما لهذا أحب الكتابة.

إنها تسمح للإنسان بأن يقول أشياء كثيرة دون أن يقف أمام أحد ويقول:

هذه حكايتي.

أما اليوم فأنا أفعلها.

هذه حكايتي.

أو على الأقل الجزء الذي وصلت إليه منها.

تعلمت ألا أحتقر البداية الصغيرة

هناك أيام أعمل فيها على شيء قد لا يراه أحد.

تعديل صغير.

مقال جديد.

فكرة.

مشكلة تقنية.

محاولة أخرى بعد محاولة لم تنجح.

ومن السهل جدًا في مثل هذه المراحل أن يسأل الإنسان نفسه:

هل يستحق الأمر؟

لكنني أصبحت أؤمن أن المشكلة في البدايات أننا نحاكمها قبل أن تحصل على الوقت الكافي لتصبح شيئًا.

لا أعرف إلى أين ستصل تليد.

ولا أريد أن أدّعي أنني أعرف.

قد تصل إلى مكان أكبر مما أتوقع، وقد يتغير الطريق كله غدًا.

لكنني أعرف شيئًا واحدًا:

أريد أن أعرف إلى أين يمكن أن أصل إذا لم أتوقف.

وهذا السؤال وحده يكفيني الآن.

خسرت بعض اليقين وربحت أسئلة أفضل

كنت أعتقد في مراحل سابقة أن القوة تعني امتلاك الإجابات.

اليوم أصبحت أقل اقتناعًا بذلك.

كلما عرفت أكثر، اكتشفت حجم الأشياء التي لا أعرفها.

وكلما فكرت في الإنسان والحياة والزمن، أصبحت أكثر حذرًا من الإجابات السهلة.

ربما النضج ليس أن تصبح متأكدًا من كل شيء.

ربما هو أن تعرف متى تقول:

لا أعرف.

وأن تمتلك الشجاعة الكافية كي تستمر في البحث.

لقد تغيرت أسئلتي مع تغيري.

كنت أسأل:

كيف أصل؟

ثم بدأت أسأل:

ولماذا أريد الوصول أصلًا؟

كنت أفكر فيما أستطيع امتلاكه.

ثم بدأت أفكر فيما سيبقى مني إذا فقدت ما أملك.

كنت أريد فهم العالم.

ثم اكتشفت أن فهم النفس قد يكون الرحلة الأطول.

تحدياتي لم تنتهِ

لن أكتب النهاية الجميلة التقليدية.

لن أقول إنني انتصرت على كل شيء، وإن الصعوبات أصبحت خلفي، وإنني وصلت إلى النسخة النهائية من نفسي.

هذا غير صحيح.

ما زالت هناك أشياء أحاول الوصول إليها.

وأبواب أنتظر أن تُفتح.

وأخطاء أحاول ألا أكررها.

وأفكار لم أفهمها.

وأهداف لم أصل إليها.

وهذا تحديدًا ما يجعلني أكتب عن نفسي الآن، لا بعد عشرين سنة.

نحن معتادون على قراءة قصص البشر بعد اكتمالها.

نسمع عن الشخص بعدما ينجح، ثم يعود ليخبرنا كيف بدأ.

لكن ماذا عن الإنسان وهو في المنتصف؟

ماذا عن الرجل الذي لا يعرف بعد إن كانت محاولته الحالية ستنجح؟

ماذا عن الحلم قبل أن يصبح إنجازًا؟

والطريق قبل أن نعرف إلى أين يؤدي؟

أنا هناك.

في المنتصف.

ولعل هذه أكثر نقطة صادقة يمكن أن أكتب منها.

لا أريد أن أكون نسخة مثالية من نفسي

أريد أن أكون نسخة حقيقية.

أعرف عيوبي كما أعرف الأشياء الجميلة في داخلي.

أعرف أنني أخطئ.

وأنني قد أندفع أحيانًا.

وأن بعض الأمور تستنزفني أكثر مما ينبغي.

وأنني أفكر في أشياء يستطيع غيري تجاوزها بسهولة.

لكنني أعرف أيضًا أنني عندما أؤمن بشيء أستطيع أن أعود إليه مرات كثيرة.

قد أغضب.

قد أتعب.

قد أقول إنني اكتفيت.

ثم أعود.

ربما ليست هذه بطولة.

لكنها صفة تعلمت أن أحترمها في نفسي:

أنني ما زلت أعود.

ماذا أريد من كل هذا؟

لا أبحث عن حياة بلا مشكلات.

أعتقد أنني تجاوزت هذه الفكرة.

أريد حياة حين أنظر إليها يومًا أعرف أنني كنت حاضرًا فيها.

أنني لم أعش فقط وفق ما أراده الآخرون.

أنني حاولت بناء شيء يحمل اسمي وفكرتي.

أنني تعلمت.

وكتبت.

وأخطأت.

وغيرت رأيي عندما اكتشفت أنني مخطئ.

وأنني حين وجدت بابًا مغلقًا لم أجلس بقية حياتي أمامه.

أريد أن أترك شيئًا.

ليس بالضرورة شيئًا ضخمًا.

ربما فكرة.

مقالًا يصل إلى إنسان في وقت يحتاج إليه.

كلمة تبقى بعد أن أنساها أنا.

أو تجربة تجعل شخصًا يأتي بعدي يبدأ من مكان أبعد قليلًا من المكان الذي بدأت منه.

فإذا استطعت فعل ذلك، فربما لم أعش لنفسي وحدي.

أنا لم أصل بعد

وهذه أجمل جملة أستطيع أن أختم بها.

أنا لم أصل بعد.

فيها شيء من الاعتراف، وشيء من التحدي.

لا أعرف كيف ستبدو حياتي بعد سنوات.

ولا أعرف أي الأشياء التي أحاول بناءها اليوم ستبقى، وأيها سيتغير، وأيها سأضحك يومًا لأنني كنت أظنه مهمًا.

لكنني أعرف الرجل الذي أريد أن آخذه معي إلى المستقبل.

الرجل الذي يسأل.

ويتعلم.

ويحاول.

وإذا أخطأ يعيد النظر.

وإذا سقط لا يجعل السقوط تعريفًا دائمًا لنفسه.

لهذا، إن عدت إلى هذا المقال بعد سنوات، أتمنى ألا أقرأه باعتباره وصفًا للرجل الذي أصبحت عليه.

بل للرجل الذي كنت عليه وأنا في الطريق إليه.

اسمي تليد.

هذه ليست قصة نجاحي.

وليست قصة فشلي.

إنها قصة إنسان لا تزال الحياة تكتب فيه، بينما يحاول هو أن يكتب عنها.

وحكايتي، حتى هذه اللحظة، لم تصل إلى نهايتها بعد.




                                                            تليد..


تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة