أنظرُ إلى مَن كانوا شعبي... بخيبةِ مَلِكٍ سقط مُلكه

 إنه بسم الله الرحمن الرحيم وبعد :



أراكَ و أُبصِرُك بين البيان والبيبان



أنظرُ إلى مَن كانوا شعبي... بخيبةِ مَلِكٍ سقط مُلكه

أنظر إليهم اليوم ولا أشعر بالغضب.

وهذا أكثر ما يدهشني.

كنت أظن أن نهاية الأشياء العظيمة لا بد أن تكون عظيمة مثل بدايتها؛ أن تسقط الأبواب، وأن تضج الممرات، وأن تُسمع في الروح أصوات الانهيار.

لكن بعض الممالك لا تسقط بالحروب.

تسقط حين لا يعود أحد يؤمن بها.

يخرج منها أهلها واحدًا تلو الآخر، تنطفئ نوافذها، تبرد مجالسها، تصمت طرقاتها، ويبقى الملك آخر من يفهم أن المُلك الذي كان يملأ عينيه لم يعد موجودًا إلا في ذاكرته.

هكذا أنظر إلى مَن كانوا شعبي.

لا لأنني كنت ملكًا عليهم، ولا لأن بشرًا يملكون بشرًا؛ بل لأنني منحتهم يومًا من مساحات نفسي ما جعل وجودهم يشبه وجود شعب كامل داخل مملكتي.

كان لبعضهم مقعد لا يجلس عليه سواه.

ولبعضهم باب لا يحتاج إلى طرقه.

ولبعضهم في القلب حصانة لا أعرف لماذا منحتها له.

كنت أعرف أصواتهم من بين الضجيج، وأفهم صمتهم قبل كلامهم، وأحفظ الأشياء الصغيرة التي لا يحفظها الإنسان إلا لمن يعنيه أمره.

ثم حدث ما يحدث لكل شيء يظن البشر أنه لن يحدث له:

تغيّرنا.

لم يسقط المُلك في يوم واحد

ليست المشكلة أننا لا نعرف كيف تبدأ العلاقات.

المشكلة أننا نادرًا ما نعرف متى بدأت تنتهي.

النهايات الواضحة رحيمة على قسوتها.

خصومة.

خيانة.

رحيل.

كلمة أخيرة.

باب يُغلق.

هذه الأشياء تؤلم، لكنها تمنح العقل تاريخًا يستطيع أن يكتب بجانبه:

هنا انتهى كل شيء.

أما النهايات الحقيقية في كثير من الأحيان فلا تمنحنا هذا الامتياز.

لا يحدث شيء يستحق أن يسمى نهاية.

تقل الأسئلة.

تتأخر الإجابات.

تختفي التفاصيل الصغيرة.

تتسع المسافة بين لقاء وآخر.

نضحك بالطريقة نفسها، لكن شيئًا خلف الضحكة لم يعد كما كان.

نقول: «يجب أن نلتقي قريبًا».

ونعرف، بطريقة لا نعترف بها، أن كلمة «قريبًا» أصبحت مجاملة مؤدبة لشيء يحتضر.

ثم يأتي يوم تجلس فيه أمام إنسان كنت تعرف كيف يفكر قبل أن يتكلم...

فلا تعرف ماذا تقول له.

وهنا تدرك الحقيقة:

لم تخسره اليوم.

أنت فقط اكتشفت اليوم أنك خسرته منذ زمن.

هذه هي الطريقة التي سقط بها مُلكي.

لم يأتِ أحد ليأخذه.

لم يعلن أحد الثورة.

لم يسقط التاج عن رأسي.

كل ما حدث أنني نظرت حولي ذات يوم، فلم أجد المملكة التي كنت أظن أنني ما زلت أحكمها.

الذين كانوا يعرفون الطريق إلى الداخل

ليس كل من نعرفه يصبح من «شعبنا».

تمر في حياتنا وجوه كثيرة.

زملاء.

جيران.

أصدقاء عابرون.

أناس نحب مجالستهم ثم تأخذنا الأيام بعيدًا عنهم دون أن ينكسر شيء.

لكن هناك قلة نعطيها شيئًا أخطر من الوقت:

نعطيها حق الدخول.

ندعها ترى النسخة التي لا نعرضها على الجميع.

تعرف خوفنا الذي نخفيه خلف القوة.

وتعرف الأشياء التي تضحكنا فعلًا.

وتعرف أسماء جراح لا نحب أن ننطقها.

وترى أحلامًا ما زالت صغيرة إلى درجة أننا نخجل من إعلانها.

هؤلاء لا يصبحون مجرد أشخاص في حياتنا.

يصبحون جزءًا من بنية الحياة نفسها.

ولهذا حين يرحلون لا نشعر أننا فقدنا شخصًا فقط.

نشعر أن مكانًا كاملًا أصبح فارغًا.

فالإنسان لا يحزن دائمًا على الراحل بقدر ما يحزن على نسخته التي كانت موجودة معه.

كنت شخصًا مختلفًا مع بعضهم.

أخف.

أكثر ثقة.

أشد حماسة.

أقل حذرًا.

وربما حين أشتاق إليهم اليوم، لا أشتاق إليهم وحدهم.

قد أشتاق إلى ذلك الإنسان الذي كنته عندما كانوا هنا.

كنت أظن الوفاء أن تبقى الأشياء كما هي

من أوهامنا الجميلة أننا نربط الوفاء بالثبات.

من أحبك مرة يجب أن يحبك بالطريقة نفسها إلى الأبد.

من عرفك في البداية يجب أن يبقى قريبًا في النهاية.

من مشى معك ألف خطوة يجب أن يمشي الألف التالية.

لكن الحياة لا توقع معنا هذا العقد.

الناس يتغيرون.

ونحن نتغير.

وتتغير الحاجات التي جمعتنا.

والظروف التي قرّبتنا.

والمدن.

والأعمال.

والأفكار.

والطموحات.

وأحيانًا لا يكون هناك مذنب.

وهذه أصعب النهايات.

لأننا نجيد التعامل مع الخيانة أكثر مما نجيد التعامل مع التحول.

إذا خانك إنسان، تستطيع أن تغضب منه.

إذا ظلمك، تستطيع أن تدينه.

لكن ماذا تفعل بإنسان لم يفعل شيئًا سوى أنه لم يعد الشخص الذي عرفته؟

وماذا يفعل هو بك إذا لم تعد أنت الشخص الذي عرفه؟

لا توجد محكمة للزمن.

ولا تستطيع أن تتهم أحدًا بأنه تغير بينما أنت نفسك لم تبقَ كما كنت.

ربما كان الخطأ الوحيد أننا أخذنا لحظة جميلة من العمر وقلنا لها:

ابقَي هكذا إلى الأبد.

ولم تكن قادرة.

بعض الناس لا يرحلون... تسقط مكانتهم فقط

وهذه أشد غرابة.

قد يبقى الإنسان أمامك.

رقمه في هاتفك.

اسمه في قائمة معارفك.

تراه.

تسلم عليه.

تتبادل معه الكلمات.

لم يمت.

ولم يسافر.

ولم تقع بينكما حرب.

ومع ذلك...

لم يعد هناك.

أو بالأحرى: لم يعد في المكان نفسه داخلك.

وهذا نوع من الفقد لا تقام له جنازة.

لا تستطيع أن تخبر الناس أنك فقدت شخصًا ما دام الشخص يمشي أمامهم حيًا.

لكننا لا نفقد البشر بالموت وحده.

أحيانًا نفقد مكانتهم.

وهذه خسارة مختلفة.

الإنسان الذي كنت تنتظر حديثه أصبح إشعارًا تؤجل فتحه.

والشخص الذي كنت تستطيع الحديث معه ساعات أصبحت تبحث معه عن موضوع بعد عشر دقائق.

والاسم الذي كان يغير مزاج يومك حين يظهر على الشاشة...

أصبح اسمًا.

فقط اسمًا.

لا تكرهه.

وهذا مهم.

لأن النهايات الناضجة لا تحتاج دائمًا إلى الكراهية.

أحيانًا أكبر دليل على أن شيئًا انتهى حقًا هو أنك لم تعد تحتاج حتى إلى أن تغضب منه.

وأنا أيضًا لم أكن الملك البريء

يسهل على من خسر مملكته أن يكتب التاريخ بطريقة تجعله الضحية الوحيدة.

يقول:

غادروا.

تغيروا.

خذلوني.

نسوني.

لكنني حين أنظر بصدق إلى أطلال مُلكي، أعرف أن بعض الحجارة سقطت بيدي أيضًا.

أنا أيضًا غبت.

وأنا أيضًا تأخرت.

وأنا أيضًا افترضت أن المحبة القديمة تكفي لصيانة العلاقات الجديدة.

وأنا أيضًا تركت مسافات صغيرة تكبر لأنني قلت لنفسي:

«غدًا أصلحها.»

ولم أفعل.

ربما طلب مني أحدهم قربًا في وقت لم أفهم حاجته إليه.

وربما احتاج آخر إلى كلمة كنت قادرًا على قولها ولم أقلها.

وربما ظننت أن الذين يحبونني يعرفون أنهم مهمون، ونسيت أن البشر يحتاجون أحيانًا إلى أن يسمعوا ما نظن أنهم يعرفونه.

الممالك لا تسقط دائمًا لأن شعبها سيئ.

أحيانًا يسيء الملك فهم الصمت.

أحيانًا ينشغل بالحدود وينسى البيوت.

وأحيانًا يثق ببقاء الأشياء إلى درجة أنه يتوقف عن الاعتناء بها.

لهذا لا أريد أن أكتب مرثية تجعلني نبيلًا وتجعل الجميع خونة.

الحقيقة أكثر قسوة ونبلًا من ذلك:

كنا بشرًا.

وكل واحد منا حمل نقصه إلى العلاقة.

ثم فعل الزمن ما يفعله بالأشياء التي لا تجد من يجددها.

أقسى السقوط أن يبقى كل شيء... ويموت المعنى

قد يبقى المكان نفسه ولا يكون المكان نفسه.

تعود إلى شارع عشت فيه أجمل سنواتك.

المباني موجودة.

الشجرة موجودة.

المقهى ما زال في زاويته.

لكن شيئًا يجعلك تشعر أنك غريب.

ما الذي اختفى؟

ليس المكان.

المعنى.

وهكذا البشر أيضًا.

قد يبقى الوجه.

الصوت.

الاسم.

لكن المعنى الذي كان يحمله الإنسان فيك يموت.

وهذه من الحقائق التي تأخرنا كثيرًا في فهمها:

نحن لا نعيش بالأشياء وحدها.

نعيش بالمعاني التي نعطيها للأشياء.

البيت جدران حتى يصبح وطنًا.

الخاتم معدن حتى يصبح ذكرى.

الصورة ورق حتى يصبح فيها شخص فقدناه.

والإنسان جسد وصوت واسم حتى نعطيه مكانة في داخلنا.

ولهذا فإن أقسى السقوط ليس دائمًا أن تخسر الناس.

بل أن يبقوا أمامك وتخسر المعنى الذي كانوا يحملونه فيك.

لا أريد استعادة المملكة

وهذه حقيقة احتجت إلى وقت طويل كي أفهمها.

كنت أظن أن الحنين يعني الرغبة في العودة.

ليس دائمًا.

يمكن أن تشتاق إلى شيء ولا تريده من جديد.

يمكن أن تحب ذكرى مكان ولا تستطيع العيش فيه الآن.

يمكن أن تتذكر إنسانًا بحنان وتعرف أن اقترابكما مرة أخرى لن يكون جميلًا.

يمكن أن تنظر إلى زمن مضى وتقول:

كان رائعًا.

دون أن تضيف:

ليته يعود.

فالعودة ليست وفاءً دائمًا.

أحيانًا الوفاء الحقيقي لمرحلة جميلة أن تتركها مكتملة في مكانها، بدل أن تستخرجها من الماضي وتحاول إجبارها على الحياة في زمن لم تُخلق له.

بعض العلاقات كانت عظيمة لأنها حدثت حين حدثت.

ولو استمرت ربما شوهناها.

وبعض الأشخاص كانوا مناسبين للإنسان الذي كنته، لا للإنسان الذي أصبحت.

وبعض الطرق خُلقت لكي نمشيها معًا مسافة فقط.

لم يكذب الطريق علينا.

نحن الذين افترضنا أنه يمتد إلى الأبد.

ماذا يفعل الملك بعد سقوط مُلكه؟

في الحكايات القديمة، الملك الذي يفقد مملكته يقضي بقية عمره يحلم باستعادتها.

يجمع الجنود.

يبحث عن الحلفاء.

يرسم الخرائط.

ويعيش كله متجهًا إلى الوراء.

لكن ماذا لو كانت الحكمة ألا يستعيدها؟

ماذا لو كان بعض السقوط تحريرًا متنكرًا في هيئة خسارة؟

فقد كنت، وأنا أحاول الاحتفاظ بكل من أحببت، أحمل عبئًا مستحيلًا:

أن أمنع الزمن من المرور.

أن أبقي الناس كما عرفتهم.

أن أبقى أنا كما عرفوني.

أن أجعل العلاقات منيعة على المسافة والتجربة والتغير.

ولا يستطيع أحد فعل ذلك.

اليوم لا أريد أن أجمع الحجارة القديمة وأعيد بناء الجدران نفسها.

أريد أن أعرف فقط ماذا تعلمت وأنا بينها.

من كان صادقًا.

من كنت معه صادقًا.

أين أخطأت.

أين بالغت.

وأين منحت أحدًا من السلطة على داخلي أكثر مما ينبغي.

فالمملكة التي لا تسقط لا تعلم ملكها شيئًا عن نفسه.

أما الأطلال...

فهي صريحة جدًا.

لقد أخطأت حين ظننت أنهم كانوا مُلكي

وهنا أصل إلى الحقيقة التي غيّرت معنى العنوان كله.

لم يكونوا شعبي.

كنت أحب أن أراهم كذلك.

لكن البشر لا يُملكون.

ولا تمنحك المحبة حقًا أبديًا في أحد.

ولا تمنح السنوات القديمة أحدًا واجبًا بأن يبقى في صورتك القديمة عنه.

كانوا أحرارًا.

وكنت حرًا.

تقاطعنا في جزء من الطريق.

صنعنا شيئًا.

ثم تغيرت الخرائط.

وإذا كنت قد تعلمت شيئًا من سقوط المُلك، فهو أن المحبة الأجمل ليست التي تقول:

«ابقَ لأنك كنت لي.»

بل التي تستطيع يومًا، إذا انتهى الطريق، أن تقول:

«كنت عزيزًا حين كنت هنا، ولن أفسد جمال ما كان لأنني لم أستطع امتلاكه إلى الأبد.»

هذا أصعب من الغضب.

وأرقى من الانتقام.

بعض الشعوب لا تعود... لكنها تبقى في تاريخ المملكة

لا أمزق صفحاتهم.

ولا أحتاج إلى ذلك.

كانوا هنا.

وهذا يكفي.

بعضهم جعلني أضحك في أيام كنت أحتاج فيها إلى الضحك.

بعضهم وقف بجانبي.

بعضهم علمني.

بعضهم خذلني، فتعلّمت منه بطريقة أخرى.

بعضهم لم يكن صالحًا للبقاء، لكنه كان ضروريًا لفهم شيء لم أكن سأفهمه بدونه.

ولهذا لا أريد إعادة كتابة الماضي كي يناسب الحاضر.

إذا كان شخص ما جميلًا معي عشر سنوات ثم افترقنا، فلا ينبغي أن أجعل النهاية تمحو السنوات العشر كلها.

كما لا ينبغي للسنوات العشر أن تجعلني أنكر حقيقة النهاية.

النضج ربما هو القدرة على حمل الحقيقتين معًا:

كان عزيزًا.

وانتهى.

دون أن تضطر إلى تشويه الأولى كي تستطيع احتمال الثانية.

اليوم أمرُّ بالمملكة القديمة كمسافر

لا أحمل تاجًا.

ولا أبحث عن عرش.

أمر على الذكريات وأعرف أسماء أصحابها.

هنا ضحكنا.

هنا اختلفنا.

هنا وعدنا بأشياء لم نستطع الوفاء بها.

هنا اعتقدنا أننا لن نتغير.

وهنا...

تغيرنا.

أنظر إلى الذين كانوا شعبي، وأشعر بشيء يشبه خيبة ملك سقط ملكه.

لكنها ليست خيبة الهزيمة.

إنها خيبة المعرفة المتأخرة.

أن تعرف أن الأشياء التي حسبتها ثابتة كانت عابرة.

وأن البشر الذين وضعتهم في قلب عالمك كانوا يملكون عوالمهم الخاصة أيضًا.

وأن الحياة لا تسألنا دائمًا إن كنا مستعدين قبل أن تنقل الأشخاص من فصل إلى آخر.

لم أعد أريد استعادة أحد.

ولا أريد أن أقف على الأطلال وألعن الذين رحلوا.

لقد أخذ كل واحد منا نصيبه من الحكاية ومضى.

أما أنا...

فسآخذ نصيبي من الحكمة.

تعلمت ألا أبني هويتي كلها حول وجود أحد.

وألا أجعل محبة الناس ميزان قيمتي.

وألا أخلط بين الوفاء ومحاولة إيقاف الزمن.

وألا أظن أن نهاية العلاقة تجعل بدايتها كذبة.

وألا أحوّل من رحل إلى عدو فقط كي أستطيع نسيانه.

وتعلمت، قبل ذلك كله، أن هناك مملكة واحدة إذا سقطت خسرت حقًا:

المملكة التي في داخلي.

لهذا حين أنظر اليوم إلى مَن كانوا شعبي، أفعل ذلك بهدوء.

ربما بشيء من الحنين.

وربما بخيبة صغيرة لا تزال تعرف أسماءهم.

لكنني لا أمد يدي نحو التاج القديم.

فقد فهمت متأخرًا أنني لم أكن بحاجة إلى أن أكون ملكًا على أحد.

ولا إلى شعب يثبت لي أنني موجود.

ولا إلى مملكة خارجية كي أعرف قدري.

لقد سقط المُلك القديم...

لكنني لم أسقط معه.

وربما كانت تلك هي الحقيقة التي لم يكن الملك ليتعلمها أبدًا لو بقي عرشه قائمًا:

أن بعض الممالك يجب أن تسقط، لكي يعرف الملك أن عرشه الحقيقي لم يكن يومًا في الذين التفّوا حوله... بل في نفسه.



لستُ فخورًا بذلك ولا نادمً عليه .                                                   تليد..

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة