لماذا ينجح الباطل أحيانًا...؟
إنه بسم الله الرحمن الرحيم وبعد :
(الفصل الثاني)
هل انتصار الباطل حقيقة... أم خداع يصنعه الزمن؟ (الفصل الثاني)
ليس هناك سؤال أقلق ضمير الإنسان عبر العصور أكثر من هذا السؤال. فمنذ أن بدأ الإنسان يفرّق بين العدل والظلم، والخير والشر، وهو يشاهد مشاهد يصعب تفسيرها؛ يرى الصادق يُتَّهم، والكاذب يُصدَّق، والمخلص يُقصى، والمخادع يُكافأ. فيتساءل: إذا كان الحق ثابتًا، فلماذا يبدو الباطل أحيانًا أكثر نجاحًا؟
هذا السؤال لم يكن وليد عصرنا، بل ناقشه الفلاسفة والأنبياء والمؤرخون والمفكرون، لأن الإنسان بطبيعته يميل إلى الحكم على الأشياء من نتائجها القريبة، بينما تتحرك السنن الكبرى ببطء لا تدركه العين في لحظتها.
ولهذا فإن أول ما ينبغي تصحيحه هو معنى النجاح نفسه.
النجاح ليس دائمًا دليلًا على الصحة
يميل الإنسان إلى الاعتقاد بأن المنتصر هو صاحب الحق، وأن كثرة الأتباع دليل على صدق الفكرة، وأن الشهرة تعني القيمة. لكن التاريخ يقدم صورة مختلفة تمامًا.
لقد ناقش أفلاطون في كتابه الجمهورية سؤال العدالة، وصوّر كيف قد يبدو الظالم أكثر نجاحًا وأكثر قدرة على تحقيق مصالحه من الإنسان العادل. غير أن هذا النجاح الظاهر، في نظر أفلاطون، لا يدل على خير النفس ولا على سعادتها، لأن العدالة ليست مجرد مكسب خارجي، بل نظام داخلي يحفظ توازن الإنسان قبل أن يحفظ المجتمع.
ومن هنا تظهر المفارقة؛ فقد يربح الإنسان مالًا ويخسر ضميره، وقد ينتصر في معركة ويهزم نفسه، وقد يصفق له الناس اليوم ثم يلعنوا سيرته بعد عقود.
إن النجاح الذي يقاس باللحظة قد يكون خداعًا بصريًا، أما النجاح الذي يقاس بالأثر فهو وحده القادر على الصمود.
لماذا ينتشر الباطل بسرعة؟
الحقيقة غالبًا تحتاج إلى جهد.
تحتاج إلى عقل يسأل، وقلب يتحرر من الهوى، ونفس تملك الشجاعة للاعتراف بالخطأ.
أما الباطل فلا يحتاج إلى كل ذلك.
إنه يخاطب الرغبات قبل المبادئ، والعواطف قبل العقول.
ولهذا يفسر غوستاف لوبون في كتابه سيكولوجية الجماهير أن الجماهير لا تتحرك دائمًا وفق البرهان المنطقي، بل تتأثر بالإيحاء، والتكرار، والصور الذهنية، والشعارات المؤثرة. وكلما كانت الفكرة أبسط وأكثر إثارة للمشاعر، كان انتشارها أسرع، سواء كانت صحيحة أم زائفة.
إن الكذبة لا تنتصر لأنها أقوى من الحقيقة، بل لأنها تصل إلى العاطفة قبل أن يصل العقل إلى فحصها.
ولهذا تنتشر الشائعة في دقائق، بينما يحتاج تصحيحها إلى أيام، وربما لا يلحق بها أبدًا.
الباطل لا يصنع نفسه
من الخطأ أن نتصور الباطل قوة مستقلة.
فالظلم لا يعيش وحده، بل يحتاج إلى من يخاف مواجهته.
والخداع لا ينجح وحده، بل يحتاج إلى من يصدق دون أن يتحقق.
والاستبداد لا يقوم بقوة الحاكم وحده، بل أيضًا بضعف المؤسسات، وصمت العقلاء، واستسلام المجتمع.
ولهذا فإن نجاح الباطل لا يفسره وجود الباطل فقط، بل يفسره أيضًا غياب المقاومة الأخلاقية والفكرية.
ولهذا السبب قال المفكر الإنجليزي جون ستيوارت ميل في كتابه عن الحرية إن إسكات الرأي المخالف لا يحرم صاحبه وحده من الكلام، بل قد يحرم المجتمع كله من فرصة الوصول إلى الحقيقة؛ لأن الحقيقة لا تزداد قوة إلا إذا تعرضت للاختبار والنقاش.
فالحق الذي لا يدافع عنه أحد، يترك الساحة للباطل، لا لأنه أضعف، بل لأن أصحابه غابوا.
لماذا يبدو الشر أكثر تنظيمًا أحيانًا؟
من الملاحظ في كثير من أحداث التاريخ أن أصحاب المصالح المشتركة قد يتعاونون بسرعة لتحقيق أهدافهم، بينما يختلف أصحاب المبادئ في الوسائل والتفاصيل.
ولهذا يبدو الباطل أحيانًا أكثر تنظيمًا.
لكن هذا التنظيم لا يعني أنه أكثر رسوخًا.
إنه يشبه بناءً شُيّد بسرعة فوق أرض رخوة؛ قد يبدو شامخًا من بعيد، لكنه يحمل في داخله أسباب انهياره.
أما البناء الذي يقوم على أسس متينة، فقد يستغرق زمنًا أطول، لكنه يكون أقدر على البقاء.
وهذا ما يجعل انتصار الباطل في كثير من الأحيان انتصارًا زمنيًا لا حضاريًا.
السياسة والنجاح المؤقت
حين كتب نيكولو مكيافيلي كتابه الأمير، وصف كيف يمكن للحاكم أن يستخدم القوة والخداع للحفاظ على سلطته. وقد فُهم الكتاب عند كثيرين على أنه دعوة إلى القسوة، بينما يراه عدد من الباحثين وصفًا لواقع السياسة في عصره أكثر من كونه دعوة أخلاقية.
ومهما اختلفت القراءات، فإن التاريخ يبين أن السلطة التي تقوم على الخوف وحده تحتاج إلى مزيد من الخوف لكي تستمر، بينما السلطة التي تقوم على الثقة تبني أسباب بقائها داخل المجتمع نفسه.
ولهذا فإن النجاح الذي يصنعه الإكراه يظل مهددًا بانهيار الإكراه نفسه.
الحقيقة ابنة الزمن
من أعمق العبارات المنسوبة إلى فرانسيس بيكون قوله:
"الحقيقة ابنة الزمن، لا ابنة السلطة."
ومعنى ذلك أن الحقيقة لا تحتاج إلى قوة تفرضها حتى تبقى، لأن الزمن نفسه يكشفها، بينما يحتاج الباطل إلى دعاية مستمرة، وتبريرات لا تنتهي، وقوة تحميه من السقوط.
ولهذا فإن الكذب يتعب صاحبه، أما الحقيقة فلا تحتاج إلا إلى الصبر.
إن الزمن لا يجعل الحق حقًا، لكنه يكشفه حين تنقشع المؤثرات التي حجبت رؤيته.
تليد..
تعليقات
إرسال تعليق