حين يتخفّى الخير في هيئة الشر!
إنه بسم الله الرحمن الرحيم وبعد :
كم مرة لعنت حدثًا في حياتك، ثم عدت بعد سنوات لتكتشف أنه كان المنعطف الذي أنقذك؟ كم مرة بكيت على بابٍ أُغلق في وجهك، فإذا بالأيام تكشف أن وراءه هاوية لم تكن تراها؟ وهل كل ما نُسمّيه شرًّا هو شرٌّ حقًّا، أم أن الإنسان لا يرى من الزمن إلا صفحته الأولى؟
منذ أن فتح الإنسان عينيه على هذا العالم، وهو يحاول أن يقسم ما يراه إلى لونين لا ثالث لهما: خير وشر، نعمة ونقمة، ربح وخسارة. وكأن الوجود كتابٌ لا يحتمل إلا حكمًا واحدًا، أو أن الأحداث تُعرَف حقيقتها في اللحظة التي تقع فيها. غير أن الحياة، في صمتها العميق، كثيرًا ما تسخر من هذه الأحكام المتعجلة، وتكشف بعد حين أن ما ظنه الإنسان نهايةً كان بداية، وما حسبه خسارةً كان إنقاذًا، وما رآه شرًّا كان يحمل في أعماقه بذور خير لم يكن ليولد لولا تلك القسوة.
ولعل أعظم ما يميز الإنسان ليس قدرته على التفكير، بل استعجاله إصدار الأحكام. فما إن يواجه ألمًا حتى يعلن أن الحياة قد ظلمته، وما إن يفقد شيئًا حتى يوقن أن الخير قد غادر طريقه. لكنه ينسى أن عقله لا يرى إلا اللحظة، أما الزمن فيرى القصة كاملة. نحن نحاكم الأحداث قبل أن تنتهي، ونكتب الأحكام قبل أن تُكتب الفصول الأخيرة.
ليس المقصود بهذا أن كل شرٍّ خير، ولا أن الظلم فضيلة، ولا أن المآسي تُطلب لذاتها. فالشر يبقى شرًّا إذا كان عدوانًا أو ظلمًا أو فسادًا. لكن الحديث هنا عن تلك الوقائع التي تبدو في ظاهرها قاسية، ثم يتبين مع مرور الأيام أنها كانت سببًا في خير لم يكن الإنسان ليدركه أو يصل إليه بغيرها. فكم من مرضٍ غيّر حياة صاحبه، وكم من فشلٍ أيقظ عقلًا كان غارقًا في الغفلة، وكم من فقدٍ أعاد ترتيب الأولويات، وكم من انكسارٍ أنشأ إنسانًا أكثر حكمةً ورحمةً وقوة.
إن المشكلة ليست في الأحداث وحدها، بل في زاوية النظر إليها. فالإنسان بطبيعته يفسر كل ما يصيبه من خلال أثره الآني؛ فإذا آلمه شيء وصفه بالشر، وإذا أسعده شيء وصفه بالخير. لكنه يغفل عن أن القيمة الحقيقية للأحداث لا تُقاس بما تتركه في يوم أو شهر، بل بما تصنعه في العمر كله. وربما لهذا السبب قال الفيلسوف الرواقي إبكتيتوس: «ليس ما يحدث للإنسان هو ما يزعجه، بل رأيه فيما يحدث.» وهي عبارة تختصر جانبًا عميقًا من التجربة الإنسانية؛ إذ إن الحدث الواحد قد يكون هلاكًا لإنسان، ومنطلقًا لآخر، لا لاختلاف الحدث، بل لاختلاف النفوس التي تستقبله.
وفي التراث الإسلامي يرد الحق سبحانه قوله تعالى: ﴿وَعَسَىٰ أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَىٰ أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: 216]. وليست الآية دعوةً إلى إنكار الألم، ولا إلى تبرير الشر، وإنما تذكيرٌ بحدود المعرفة البشرية؛ فالإنسان يرى ظاهر الطريق، أما عواقبه فلا يحيط بها علمًا.
وهنا يبرز السؤال الفلسفي الذي يستحق التأمل: هل الأحداث تحمل صفاتها في ذاتها، أم أن الخير والشر يتشكلان أيضًا من الطريقة التي تتفاعل بها النفس مع ما يقع لها؟ وهل نحن ضحايا ما يحدث لنا، أم شركاء في المعنى الذي نمنحه لما يحدث؟
إن كثيرًا من أعظم التحولات في تاريخ الأفراد والأمم لم تبدأ بلحظات رخاء، وإنما خرجت من قلب المحن. وكأن الحياة تخفي بعض عطاياها في أغلفة لا يرغب أحد في فتحها، حتى إذا انقضى الزمن، اكتشف الإنسان أن أكثر ما آلمه يومًا كان أكثر ما صنعه.
تليد..
تعليقات
إرسال تعليق