هل كان الشر في الحدث... أم في قصور رؤيتنا؟

 إنه بسم الله الرحمن الرحيم وبعد :



هل كان الشر في الحدث... أم في قصور رؤيتنا؟

لو قُدّر للإنسان أن يرى المستقبل كما يرى الحاضر، لتغيّرت أحكامه على معظم ما يمر به. ولربما استقبل بعض المصائب بالسكينة، وودّع بعض النعم بالحذر. لكن طبيعة الإنسان أنه يعيش داخل اللحظة، بينما الحقيقة تمتد إلى ما وراء اللحظة بسنوات، وربما بعمرٍ كامل.

إننا نصف الحدث بأنه خير أو شر، لا لأنه يحمل هذه الصفة دائمًا، بل لأننا نقيسه بمقدار ما يمنحنا من راحة أو يسببه لنا من ألم. فإذا وافق رغباتنا قلنا: هذا خير. وإذا خالفها قلنا: هذا شر. وكأن رغباتنا أصبحت المقياس الوحيد للحقيقة.

غير أن التاريخ لا يؤيد هذا المنطق.

فكم من إنسانٍ نجا من حادثٍ لأنه تأخر دقائق عن موعده، بينما كان قبل ذلك يلعن ذلك التأخير. وكم من عالمٍ رُفض في بداية حياته، ثم أصبح رفضه سببًا في أن يبحث عن طريقٍ جديد غيّر وجه العلم. وكم من أمةٍ ظنت أن سقوطها نهاية وجودها، فإذا به بداية نهضتها بعد أن أدركت أخطاءها.

إن الأحداث لا تتكلم عندما تقع، وإنما تتكلم عندما تكتمل آثارها.

ولهذا كان الزمن ليس مجرد ساعاتٍ تمر، بل قاضٍ يؤجل إصدار الأحكام حتى يسمع القصة كلها.

ولعل أكثر ما يرهق الإنسان أنه يريد تفسير كل شيء فور وقوعه. يريد أن يعرف لماذا خسر، ولماذا تألم، ولماذا انكسر، بينما بعض الأسئلة لا يمنحها الزمن جوابها إلا بعد أعوام. وكأن الحكمة لا تُسلَّم للإنسان دفعةً واحدة، بل تُعطى له بقدر ما ينضج لفهمها.

وقد أشار الفيلسوف سورين كيركغارد إلى هذه الحقيقة بقوله:

«لا يمكن فهم الحياة إلا بالنظر إلى الوراء، ولكن لا يمكن عيشها إلا بالمضي إلى الأمام.»

وهذه العبارة تكشف مفارقة الإنسان؛ فهو لا يدرك معنى كثير من أحداث حياته إلا بعد أن تصبح جزءًا من الماضي، لكنه لا يملك وهو يعيشها إلا أن يستمر في السير.

ومن هنا ينشأ أحد أعظم الأخطاء الفكرية: أن يظن الإنسان أن ما يشعر به الآن هو الحقيقة النهائية. فالألم ليس دائمًا دليلًا على أن الطريق خاطئ، كما أن الراحة ليست دائمًا دليلًا على أنه صحيح. فالجراح قد تكون ثمن الشفاء، والراحة قد تكون بداية الركود.

ولهذا فإن أكثر الناس حكمة ليسوا أولئك الذين لم يتألموا، بل الذين تعلموا ألا يجعلوا الألم يحكم على المستقبل. إنهم يدركون أن الحياة لا تكشف كل أوراقها في الجولة الأولى، وأن بعض أبوابها لا تُفتح إلا بعد أن يُغلق بابٌ آخر ظن الإنسان أنه لن يعيش بدونه.

وربما لهذا السبب كانت الثقة بالمستقبل فضيلة عقلية قبل أن تكون فضيلة نفسية؛ لأنها تعني الاعتراف بأن معرفتنا محدودة، وأن الواقع أكبر من إدراكنا، وأن ما نراه اليوم ليس إلا مقطعًا صغيرًا من قصة لم تنتهِ بعد.




                                                                           تليد..

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة