هل يصبح الإنسان الشخص الذي كان يخشاه يومًا؟ لماذا نُشبه من يؤذوننا ..؟

 إنه بسم الله الرحمن الرحيم وبعد :


(الفصل الثاني)


لماذا نشبه من آذونا؟

لعل أكثر ما يثير الدهشة في النفس الإنسانية أنها لا تتأثر بالخير والشر على حد سواء، بل تتأثر بما يتكرر أمامها. فالعقل لا يتعلم من الأفكار المجردة بقدر ما يتعلم من التجارب المتكررة، ولذلك فإن الإنسان قد يحمل في داخله سلوكًا رفضه طوال حياته، ثم يجده يخرج منه في لحظة غضب أو خوف أو ضعف.

وهنا لا يكون السؤال: لماذا فعل ذلك؟

بل: كيف وصل إلى هذه المرحلة دون أن يشعر؟

إن النفس البشرية لا تعمل كآلة تحفظ المبادئ ثم تطبقها تلقائيًا، بل هي كائن حي يتشكل مع الزمن. وكل موقف يمر به الإنسان يترك أثرًا، صغيرًا كان أم كبيرًا. ومع تراكم هذه الآثار، تبدأ الشخصية في إعادة ترتيب نفسها بصمت، حتى تصبح بعض التصرفات التي كانت غريبة عنها مألوفة، ثم طبيعية، ثم جزءًا من هويتها.

ولهذا كان بعض علماء النفس يرون أن أخطر التغيرات ليست تلك التي تحدث فجأة، وإنما تلك التي تنمو ببطء، لأن الإنسان يتكيف معها قبل أن يدرك أنها غيّرته.

لكن هذا لا يعني أن الإنسان محكوم بهذا المصير.

فالوعي لا يمنع وقوع الخطأ، لكنه يمنع أن يتحول الخطأ إلى عادة.

الإنسان لا يقلّد السلوك... بل يقلّد طريقة النجاة

حين يتعرض الإنسان للخوف، أو الإذلال، أو الخيانة، يبحث عقله عن وسيلة تمنعه من تكرار الألم. وأحيانًا يختار وسيلة كان يكرهها من قبل.

فالطفل الذي عاش في بيت لا يُسمع فيه إلا الصراخ، قد يكبر وهو يظن أن رفع الصوت هو الطريقة الوحيدة لفرض الاحترام.

والذي عاش سنوات يشعر بالعجز، قد يبالغ في السيطرة عندما يمتلك سلطة، لا لأنه يحب التسلط، بل لأنه يخاف العودة إلى الشعور القديم بالضعف.

إن كثيرًا من الصفات التي نراها قاسية ليست دائمًا تعبيرًا عن القوة، بل قد تكون دروعًا صنعها الخوف.

ولهذا فإن بعض البشر لا يكررون أخطاء من سبقهم لأنهم يوافقون عليها، وإنما لأنهم لم يعرفوا طريقة أخرى للنجاة.

أخطر أشكال التحول

ليس أن يصبح الإنسان قاسيًا.

ولا أن يصبح صارمًا.

ولا حتى أن يصبح بارد المشاعر.

بل أن يفقد القدرة على ملاحظة أنه تغير.

فهناك فرق كبير بين من يقول: لقد تغيرت، وبين من يصر على أنه ما زال كما كان، رغم أن أفعاله تقول غير ذلك.

إن الاعتراف بالتغير بداية الإصلاح، أما إنكار التغير فهو بداية الذوبان فيه.

ولهذا كانت محاسبة النفس من أندر الفضائل، لأنها تتطلب شجاعة لا تقل عن شجاعة مواجهة العالم كله.

هل الماضي عذر؟

كثيرًا ما نسمع من يقول:

"لقد أصبحت هكذا بسبب ما عشته."

ولا شك أن الماضي يترك أثرًا عميقًا، لكن تحويله إلى عذر دائم يسلب الإنسان أعظم ما يملكه، وهو حرية الاختيار.

إن التجربة تفسر السلوك، لكنها لا تبرره دائمًا.

فالذي ذاق الظلم يفهم قسوته أكثر من غيره، ولذلك يكون مسؤولًا عن ألا يعيده إلى الآخرين.

والذي عرف الخيانة يدرك مقدار ألمها، ولهذا لا يجوز أن يجعلها حجة ليخون.

فلو كانت المعاناة تُلزم الإنسان بتكرارها، لما وجدنا في التاريخ أناسًا خرجوا من أقسى الظروف وهم أكثر رحمة وعدلًا.

وهنا تكمن عظمة الإنسان؛ أنه ليس مجرد نتيجة لماضيه، بل صانعٌ لمستقبله.

التحول الحقيقي

ليس التحول أن تصبح أقوى ممن آذاك.

بل أن تصبح أفضل منه.

فالقوة وحدها قد تجعلك قادرًا على الانتقام، أما الحكمة فتجعلك قادرًا على إنهاء دائرة الألم.

والإنسان الذي ينجح في كسر السلسلة لا يحمي نفسه فقط، بل يحمي كل من سيأتي بعده.

فقد لا تستطيع أن تمنع الجرح الأول الذي أصابك، لكنك تستطيع أن تمنع الجرح التالي الذي كان يمكن أن يصيب غيرك بسببك.

وهذا هو الانتصار الذي لا يُرى، لكنه أعظم الانتصارات جميعًا.






                                                                                    تليد..

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة