حين يتخفّى الخير في هيئة الشر............!
إنه بسم الله الرحمن الرحيم وبعد :
لماذا يتخفّى الخير خلف الألم؟
لعل السؤال الذي يفرض نفسه بعد كل ما سبق هو: لماذا لا يأتي الخير في صورةٍ تُطمئن الإنسان؟ لماذا يبدو أحيانًا وكأنه يتعمد ارتداء ثوب الألم والخسارة والحرمان؟
ليس لأن الألم خير في ذاته، بل لأن بعض أنواع الخير لا يمكن أن تولد إلا بعد أن يتحطم شيء في داخل الإنسان. فالإنسان بطبيعته يألف ما اعتاد عليه، ويتمسك بما يملكه، ويخشى كل تغيير، حتى وإن كان ذلك التغيير يحمل له مستقبلًا أفضل. ولهذا فإن الحياة، في كثير من الأحيان، لا تجد سبيلًا إلى تغيير الإنسان إلا إذا زلزلت يقينه القديم، وهدمت ما ظنه ثابتًا، وأجبرته على إعادة بناء نفسه من جديد.
إن البذرة لا تصبح شجرة إلا بعد أن تنشق، والذهب لا يزداد نقاءً إلا إذا لامسته النار، والعضلات لا تقوى إلا بعد أن تتحمل الإجهاد. وليس في هذه الأمثلة تمجيدٌ للانكسار، وإنما تذكير بأن التحول في هذا الكون غالبًا ما يسبقه نوع من التفكك، وكأن البناء الجديد يحتاج إلى أن يفسح القديم له مكانًا.
ومن أعجب ما في النفس البشرية أنها لا تكتشف قدراتها الكامنة في أوقات الراحة، بل في ساعات الشدة. فكم من إنسان كان يظن نفسه ضعيفًا، حتى اضطرته الظروف إلى مواجهة ما لم يتخيله يومًا، فإذا به يكتشف من الصبر والثبات والحكمة ما لم يكن يعلم أنه يملكه.
ولهذا قال الفيلسوف الألماني فريدريش نيتشه: «ما لا يقتلني يجعلني أقوى.» ورغم أن هذه العبارة ليست قاعدة تنطبق على كل إنسان وكل ظرف، فإنها تشير إلى حقيقة نفسية عميقة؛ فبعض المحن لا تُنقص الإنسان، بل تعيد تشكيله. وليست القوة هنا قوة الجسد، وإنما قوة الرؤية، واتساع الفهم، ونضج الروح.
وفي المقابل، فإن الإنسان كثيرًا ما يسيء تفسير الخير نفسه. فقد يعدّ وفرة المال خيرًا مطلقًا، ثم يكتشف أنها أورثته الغرور أو الغفلة. وقد يرى في النجاح السريع نعمةً لا تُقدّر بثمن، ثم يتبين له أنه حرمه من التعلم الذي كان سيصنع منه شخصية أكثر رسوخًا. وهكذا يصبح الخير الظاهر بابًا إلى شر، كما قد يصبح الشر الظاهر طريقًا إلى خير.
إن المشكلة ليست في الحدث، بل في استعجال الإنسان للحكم عليه. فنحن نريد أن نعرف نهاية الرواية ونحن لا نزال في الفصل الأول. ننسى أن كثيرًا من القصص لا تُفهم إلا إذا اكتملت، وأن بعض الفصول المؤلمة ليست إلا تمهيدًا لخاتمة لم يكن لها أن تأتي بغيرها.
ولعل من أجمل ما قاله جلال الدين الرومي في هذا المعنى: «قد يكون الجرح هو المكان الذي يدخل منه النور إليك.» وليس المقصود أن نمجد الجراح، بل أن ندرك أن الإنسان قد يخرج من محنته وهو أكثر بصيرة مما كان عليه قبلها، لأن الألم أزال عنه أوهامًا لم يكن ليتخلى عنها وهو في رخائه.
ومع ذلك، يبقى السؤال الأكثر صعوبة: ماذا عن الشر الذي لا نرى له خيرًا؟ ماذا عن إنسان رحل قبل أن يدرك الحكمة مما أصابه، أو عن مأساة لم تكشف الأيام وجهها الآخر؟
هذا السؤال لا يملك الفلاسفة جميعًا جوابًا قاطعًا عنه. فهناك حدود يقف عندها العقل، ويعترف بأن معرفته ناقصة. ولعل أعظم مظاهر الحكمة ليست أن يجد الإنسان جوابًا لكل شيء، بل أن يدرك أن الواقع أوسع من إدراكه، وأن الزمن الذي يعيشه ليس الزمن كله، وأن ما خفي عنه أكثر مما ظهر له.
وهنا تتجلى فضيلة التواضع أمام الحياة؛ فلا نتعجل وصف كل ما يؤلمنا بأنه شرٌّ مطلق، ولا نصف كل ما يسرّنا بأنه خيرٌّ مطلق، لأن الأيام كثيرًا ما تعيد ترتيب هذه الأحكام، وتكشف أن الحقيقة كانت أعمق مما ظننا، وأن الخير كان يسير إلينا في طريق لم نكن لنختاره لأنفسنا.
تليد..
تعليقات
إرسال تعليق