لماذا لا يشعر الإنسان بقيمة اللحظة إلا بعد انقضائها؟
إنه بسم الله الرحمن الرحيم وبعد :
ليس الزمن هو أغرب ما في حياة الإنسان، بل الطريقة التي يشعر بها به. فنحن لا نعيش الدقيقة كما هي، بل كما تترجمها عقولنا، ولا نحفظ الأيام كما مرت، بل كما بقي أثرها في قلوبنا. ولعل هذه هي المفارقة التي رافقت الإنسان منذ بدأ يعي وجوده؛ إذ كثيرًا ما يتمنى اللحظة قبل أن تأتي، ويضيق بها وهي بين يديه، ثم يشتاق إليها بعد أن تغادره، وكأن الزمن لا يكشف قيمة الأشياء إلا عندما تصبح جزءًا من الذاكرة.
فكم من صباحٍ استيقظ فيه الإنسان متذمرًا من رتابة يومه، ثم مضت الأعوام، فإذا بذلك الصباح العادي يصبح أمنيةً لا تُشترى بثمن. وكم من جلسةٍ مع والدٍ أو أمٍ أو صديقٍ مرت دون أن يلتفت إليها القلب، حتى غاب أصحابها، فأصبحت تلك الجلسة من أثمن ما يملكه الإنسان، لا لأنها كانت استثنائية، بل لأنها لن تتكرر.
إن الإنسان لا يفتقد الماضي لأنه كان كاملًا، بل لأنه انتهى.
وهنا يبدأ السؤال الذي يستحق التأمل: لماذا لا ندرك قيمة اللحظة إلا عندما تصبح ذكرى؟
قد يظن البعض أن السبب هو الحنين، لكن الحنين ليس أصل الحكاية، بل نتيجتها. أما السبب الأعمق فيكمن في طبيعة العقل البشري؛ فالإنسان مخلوق يتكيف مع ما يملك بسرعة مدهشة. فما إن تصبح النعمة جزءًا من حياته اليومية، حتى يتوقف عن ملاحظتها. إنه يعتادها، والاعتياد لا ينتزع النعمة من يديه، لكنه ينتزع دهشته بها.
ولذلك لا يفرح الإنسان كل صباح لأنه يستطيع أن يرى، ولا يحتفل لأنه يتنفس، ولا يشعر بعظمة أن قلبه يعمل دون أن يطلب منه ذلك. إنها نعم تحولت، بفعل التكرار، إلى خلفية صامتة للحياة، حتى إذا فقد واحدةً منها، أدرك كم كان غنيًا وهو يظن نفسه فقيرًا.
وهذه طبيعة أشار إليها القرآن الكريم في قوله تعالى:
﴿وَإِن تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا﴾(سورة النحل: 18).
فالآية لا تخبرنا بكثرة النعم فحسب، بل تلمح إلى عجز الإنسان عن الإحاطة بها شعورًا وإحصاءً. فنحن لا نعجز عن عدِّها لأن عددها كبير فقط، بل لأن كثيرًا منها أصبح مألوفًا إلى درجة أننا لم نعد نراه.
إن أخطر ما يفعله الاعتياد أنه يجعل المعجزات اليومية تبدو عادية.
ومن هنا نفهم لماذا لا يشعر الابن بقيمة حضن أمه إلا بعد أن يكبر، ولماذا لا يدرك الموظف قيمة فراغه حتى تمتلئ أيامه بالمسؤوليات، ولماذا يحن المسافر إلى وطنه، رغم أنه كان يشكو من تفاصيله الصغيرة حين كان يعيش فيه.
إن القيمة لا تتغير، وإنما الذي يتغير هو زاوية النظر.
وقد كتب الفيلسوف الروماني سينيكا أن الإنسان لا يعاني من قصر الحياة، بل من إهدارها. ولم يكن يقصد أن أعمار البشر طويلة، وإنما أراد أن يبين أن كثيرًا من الناس يعيشون حاضرهم وهم مؤجلون إلى مستقبل يتخيلونه، حتى إذا أصبح المستقبل حاضرًا، اكتشفوا أنهم أضاعوا العمر في انتظار عمرٍ آخر.
وهذه الفكرة لا تزال تؤكدها دراسات علم النفس الحديثة؛ فالعقل يميل بطبيعته إلى توجيه انتباهه نحو ما ينقصه أكثر مما يملكه. ولهذا قد يعيش الإنسان وسط نعم عظيمة، لكنه يظل منشغلًا بما لم يحصل عليه بعد، فيمر الحاضر من بين يديه دون أن يترك فيه أثر الامتنان.
ولعل لهذا السبب كان الامتنان أكثر من مجرد خلق حسن؛ إنه تدريب للعقل على رؤية ما اعتاد رؤيته حتى كاد يغفل عنه. فالإنسان الممتن لا يعيش حياةً تختلف عن حياة الآخرين بالضرورة، لكنه يرى في الحياة ما لا يراه غيره.
إن اللحظة لا تصبح ثمينة عندما تنتهي، بل كانت ثمينة منذ البداية، غير أن وعينا لم يكن حاضرًا بما يكفي ليدركها.
ولذلك قال بعض الحكماء: "ليس الفقير من قلّ ماله، وإنما من عجز عن رؤية ما يملك." ورغم اختلاف الروايات في نسبة هذه العبارة، فإن معناها ينسجم مع تجربة الإنسان في كل زمان؛ فكثير من الخسائر التي نبكيها اليوم كانت نعمًا لم نشكرها بالأمس.
وهنا يتجلى أحد أسرار الحياة؛ فالله سبحانه لم يجعل السعادة كامنة في كثرة ما نملك، بل في قدرتنا على إدراك قيمة ما بين أيدينا قبل أن يتحول إلى ذكرى.
غير أن السؤال لا ينتهي عند حدود الاعتياد، فلو كان الاعتياد وحده هو السبب، لأدرك الإنسان قيمة كل لحظة بمجرد أن ينتبه إليها. لكن الحقيقة أعمق من ذلك؛ لأن الإنسان لا يعيش الزمن كما هو، بل يعيش بين زمنين لا وجود لهما إلا في عقله: ماضٍ يطارده، ومستقبلٍ يستدعيه، حتى يكاد الحاضر، وهو الزمن الوحيد الذي يملكه حقًا، يمر من بين يديه دون أن يشعر به.
إننا نؤجل الفرح إلى حين ننجح، ثم نؤجله إلى حين نستقر، ثم إلى حين نملك، ثم إلى حين نتقاعد، وكأن الحياة موعد مؤجل لا يأتي أبدًا. وما إن نصل إلى المرحلة التي كنا نظن أنها ستمنحنا السعادة، حتى نجد أنفسنا نصنع موعدًا جديدًا، ونؤجل الحياة مرة أخرى.
وهكذا يصبح الإنسان غريبًا عن لحظته.
إنه حاضر بجسده، لكنه غائب بعقله. يجلس مع أسرته، بينما يفكر في عمله، ويعمل وهو يفكر في إجازته، ويقضي إجازته قلقًا مما ينتظره بعد انتهائها. فلا هو استمتع بالعمل كاملًا، ولا عاش الإجازة كاملة، لأن ذهنه كان دائمًا في مكان آخر.
ولعل هذا ما يجعل بعض الناس يبلغون آخر أعمارهم وهم يشعرون أن السنوات مرت بسرعة مذهلة. وليس لأن الزمن أصبح أسرع، بل لأنهم لم يعيشوه بوعي. فاللحظات التي لا يحضر فيها القلب، تمر كأنها لم تكن.
وقد أشار الإمام أبو حامد الغزالي إلى معنى قريب من ذلك حين تحدث عن الغفلة، مبينًا أن أخطر ما يفقده الإنسان ليس الوقت، وإنما حضوره في الوقت. فالساعة الواحدة التي يحياها الإنسان بقلب يقظ قد تغير حياته، بينما قد تمر عليه سنوات طويلة لا تضيف إلى روحه شيئًا.
ولذلك لم يكن السلف يحرصون على طول الأعمار بقدر حرصهم على بركة الأعمار؛ لأن الزمن في ميزان الحكمة لا يقاس بعدد الأيام، وإنما بما امتلأت به من معنى.
ومن تأمل سيرة النبي ﷺ وجد أنه كان يعيش اللحظة بكامل حضوره. فإذا جلس مع أحدٍ، أقبل عليه إقبالًا كاملًا، حتى يشعر مخاطبه أنه أحب الناس إليه. وإذا دعا ربه، دعا بقلب حاضر. وإذا عمل، أتقن عمله. وكأن أعظم أسرار الحياة ليست في كثرة ما نفعل، بل في مقدار حضورنا فيما نفعل.
ولعل الفيلسوف الفرنسي هنري برغسون كان قريبًا من هذا المعنى حين فرّق بين الزمن الذي تقيسه الساعات، والزمن الذي تعيشه النفس. فالدقائق في الساعة متساوية، أما في الشعور فليست كذلك. فقد تمر ساعة انتظار كأنها يوم كامل، بينما تمر ساعات الفرح كأنها لحظة خاطفة.
وهذا يؤكد أن الإنسان لا يعيش الزمن الخارجي وحده، بل يعيش زمنًا داخليًا تصنعه مشاعره ووعيه.
ومن أعجب ما كشفته دراسات علم الأعصاب أن الدماغ لا يسجل كل ما نعيشه بالدرجة نفسها، بل يمنح الأحداث الجديدة والعاطفية مساحة أكبر في الذاكرة. ولهذا تبدو سنوات الطفولة طويلة في ذاكرتنا؛ لأنها مليئة بالاكتشافات الأولى، بينما تمر السنوات اللاحقة بسرعة، لأن كثيرًا من تفاصيلها أصبح متكررًا ومألوفًا.
إن الجديد يوقظ الوعي، أما الاعتياد فيجعله يغفو.
ولهذا لا يكون تجديد الحياة دائمًا بالسفر أو بتغيير المكان، بل قد يبدأ بتغيير طريقة النظر إلى الأشياء التي نراها كل يوم. فالشمس التي تشرق هذا الصباح ليست أقل جمالًا من شروق الأمس، لكن العين التي اعتادت المشهد توقفت عن التأمل فيه.
ولعل لهذا كان التأمل عبادةً قبل أن يكون مهارة فكرية. فالقرآن الكريم لا يدعو الإنسان إلى مجرد النظر، بل إلى التفكر: في السماء، وفي الأرض، وفي نفسه، وفي تعاقب الليل والنهار. لأن الإنسان إذا استعاد دهشته الأولى بالعالم، استعاد معها قدرته على رؤية قيمة اللحظة قبل أن تصبح ذكرى.
إن أجمل اللحظات ليست تلك التي لا تنتهي، بل تلك التي عرف الإنسان قيمتها وهي لا تزال بين يديه. فالابن الذي يقبل يد والده اليوم، لا ينتظر الفقد ليعرف معنى البر. والصديق الذي يقول كلمة امتنان لصديقه، لا يؤجلها حتى يصبح الاعتذار مستحيلًا. والإنسان الذي يشكر الله على نعمته وهو يعيشها، لا ينتظر أن تتحول إلى حنين.
وهنا نصل إلى حقيقة مؤثرة:
إن أكثر ما نبكيه في الماضي، لم يكن عظيمًا لأنه مضى، بل لأنه كان عظيمًا ولم ننتبه إلى عظمته إلا بعد أن مضى.
ولعل أعظم ما يكشفه مرور الزمن أن الإنسان لا يندم في آخر المطاف على الأيام التي كانت شاقة، بقدر ما يندم على الأيام التي عاشها غافلًا عنها. فالذاكرة لا تحتفظ بعدد الساعات التي عملنا فيها، ولا بعدد الرسائل التي أرسلناها، ولا بعدد الأخبار التي قرأناها، لكنها تحتفظ بابتسامةٍ صادقة، أو كلمةٍ طيبة، أو يدٍ أمسكت بأخرى في لحظة احتاجتها.
إن الحياة لا تُبنى من الأحداث الكبرى وحدها، بل من آلاف اللحظات الصغيرة التي لا نلتفت إليها إلا عندما تغيب. فكم من فنجان قهوة شُرب على عجل، ثم أصبح بعد سنوات ذكرى دافئة؛ وكم من حديثٍ عابر مع أبٍ أو أمٍ أو صديق، ظنه الإنسان أمرًا عاديًا، ثم اكتشف بعد الفقد أنه كان من أثمن ما مر به في حياته.
وهنا تتجلى إحدى أعظم مفارقات الوجود؛ فالأشياء لا تزداد قيمةً بعد رحيلها، وإنما ينكشف لنا مقدار قيمتها عندما نعجز عن استعادتها.
ولهذا قال الله تعالى:
﴿حَتَّىٰ إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ﴾(سورة المؤمنون: 99-100).
إن الآية لا تتحدث عن الموت فحسب، بل عن طبيعة الإنسان؛ فهو كثيرًا ما يؤجل الخير، ويؤجل الشكر، ويؤجل الاعتذار، ويؤجل المحبة، حتى يكتشف أن بعض الفرص لا يفتح لها الزمن بابًا ثانيًا.
ولذلك فإن الحكمة ليست أن نتقن تذكر الماضي، بل أن نتقن عيش الحاضر قبل أن يتحول إلى ماضٍ جديد.
وقد كتب الفيلسوف الروماني ماركوس أوريليوس في التأملات أن الإنسان لا يملك إلا اللحظة التي يعيشها الآن، أما ما مضى فقد انقضى، وما سيأتي فلم يولد بعد. وليس المقصود أن ينقطع الإنسان عن التخطيط للمستقبل أو التعلم من الماضي، بل أن يدرك أن الحياة لا تُعاش إلا في اللحظة الحاضرة، وأن كل تأجيل للحياة هو في حقيقته تنازل عن جزء منها.
ومن جهة أخرى، يبين علم النفس أن الدماغ يميل إلى تلوين الذكريات بألوان العاطفة. فهو لا يعيد الماضي كما كان، بل كما يشعر به الإنسان الآن. ولذلك يبدو كثير من الماضي أكثر جمالًا مما كان في واقعه، لا لأن الماضي كان كاملًا، بل لأن الذاكرة تُبقي غالبًا على الدفء، وتخفف من وطأة التفاصيل المرهقة.
ولهذا لا ينبغي للإنسان أن يقارن حاضره الواقعي بماضٍ صقلته الذاكرة، لأن المقارنة عندئذٍ لن تكون عادلة. فالحياة التي نعيشها مليئة بالتفاصيل الصغيرة، أما الحياة التي نتذكرها فقد اختصرتها الذاكرة في لحظات قليلة مشرقة.
ومن أجمل ما يُروى عن الإمام الشافعي رحمه الله قوله:
"ما مضى فات، والمؤمَّل غيب، ولك الساعة التي أنت فيها."
سواء ثبتت هذه العبارة عنه أم لم تثبت، فإن معناها يوافق حكمةً عميقة؛ فالحياة لا تُمنح للإنسان دفعةً واحدة، وإنما تُمنح لحظةً بعد لحظة. ومن أضاع اللحظة التي بين يديه، فلن يعوضه المستقبل عنها، لأن المستقبل نفسه لن يأتي إلا على هيئة لحظة جديدة.
إن المشكلة ليست أن الزمن سريع، بل أن وعينا بطيء.
نركض خلف الأيام، ثم نركض خلف الذكريات، ثم نتساءل في دهشة: متى مضى العمر؟
والعمر، في الحقيقة، لم يمضِ فجأة؛ بل مضى في كل مرة كنا نظن أن السعادة مؤجلة إلى الغد، وأن الامتنان يمكن أن ينتظر، وأن كلمة "أحبك" أو "شكرًا" أو "سامحني" يمكن أن تُقال في وقت آخر.
لكن الزمن لا يعد أحدًا بوقت آخر.
ولهذا فإن الإنسان الحكيم لا ينتظر اكتمال الظروف حتى يعيش، لأنه يعلم أن الحياة لا تكتمل على الصورة التي نتخيلها. ففي كل مرحلة نقص، وفي كل مرحلة نعمة، وفي كل مرحلة فرصة تستحق أن تُعاش قبل أن تتحول إلى ذكرى يُقال عنها: "ليتني انتبهت إليها."
إن أعظم خسائر الإنسان ليست في فقد ما أحب، وإنما في أنه لم يعرف قيمة ما أحب إلا بعد أن فقده.
ومضة
ليست الذكرى هي التي تمنح اللحظة قيمتها، بل غياب اللحظة هو الذي يكشف القيمة التي كانت فيها.
للتأمل
إذا كان اليوم، بعد عشر سنوات، سيصبح ذكرى... فهل تعيشه الآن بالطريقة التي تتمنى أن تتذكره بها؟
المصادر
- القرآن الكريم.
- الإمام الغزالي، إحياء علوم الدين.
- ابن القيم، الفوائد.
- فيكتور فرانكل، الإنسان يبحث عن معنى.
- ماركوس أوريليوس، التأملات.
- سينيكا، في قصر الحياة (On the Shortness of Life).
- Daniel Kahneman, Thinking, Fast and Slow.
- Daniel L. Schacter, The Seven Sins of Memory.
تعليقات
إرسال تعليق