لماذا ينجح الباطل أحيانًا؟

 إنه بسم الله الرحمن الرحيم وبعد :





هل انتصار الباطل دليل على قوته... أم على ضعف من يقف في وجهه؟

(الفصل الأول)

حين ينظر الإنسان إلى صفحات التاريخ، أو يتأمل أحداث واقعه، قد تعترضه لحظة حيرةٍ عميقة؛ إذ يرى الظالم يعلو صوته، والمخادع تتسع تجارته، والمنافق يتقدم الصفوف، بينما يقف الصادق في آخرها، ويُقصى الأمين، ويُحارب المصلح. عندها يتولد سؤال يكاد يكون قديمًا قِدم الإنسانية نفسها: إذا كان الحق هو الأصل، فلماذا ينجح الباطل أحيانًا؟

ليس هذا السؤال وليد عصرنا، بل هو سؤال رافق الإنسان منذ أن بدأ يميز بين الخير والشر. فقد رأى الناس عبر العصور طغاةً بنوا إمبراطوريات، ودجالين تبعهم الآلاف، وأفكارًا زائفة سيطرت على أمم كاملة، حتى بدا وكأن الباطل يمتلك من القوة ما يجعله قادرًا على هزيمة الحقيقة.

لكن هل كان ذلك انتصارًا حقيقيًا؟

أم أن الإنسان يخلط بين النجاح المؤقت والانتصار الحقيقي؟

إن أول خطأ يقع فيه العقل هو أنه يقيس النجاح بما يراه في اللحظة الحاضرة. فالإنسان بطبيعته ابنُ الحاضر؛ يحكم على الأشياء بما تتركه أمام عينيه، لا بما ستؤول إليه بعد سنوات أو عقود. ولهذا يبدو الباطل أحيانًا منتصرًا، لأنه يمتلك قدرةً فائقة على تحقيق المكاسب السريعة، بينما يحتاج الحق إلى زمن أطول حتى تتكشف ثماره.

لقد كتب الفيلسوف الإنجليزي فرانسيس بيكون أن: «الحقيقة ابنة الزمن، لا ابنة السلطة.» وهي عبارة تختصر جانبًا كبيرًا من هذه القضية؛ فالحقيقة لا تحتاج إلى من يفرضها بالقوة حتى تبقى، أما الباطل فيحتاج دائمًا إلى وسائل تحميه من السقوط، لأنه لا يستطيع الوقوف وحده.

الباطل لا ينتصر وحده

من السهل أن نحمّل الباطل مسؤولية انتشاره، لكن ذلك ليس دقيقًا.

فالباطل، مهما بدا قويًا، لا يعمل في فراغ، بل يجد دائمًا بيئة تسمح له بالنمو.

إن الكذبة لا تصبح مؤثرة لأنها كذبة متقنة، بل لأن هناك من كان مستعدًا لتصديقها.

والظالم لا يصبح مستبدًا بقوته وحدها، بل لأن الخوف يسكن قلوبًا كثيرة، ولأن الصامتين أكثر من المتكلمين.

ولهذا فإن السؤال لا ينبغي أن يكون:

«لماذا نجح الباطل؟»

بل:

«ما الذي هيأ له طريق النجاح؟»

إن الفساد لا يولد فجأة، بل يتسلل عبر التنازلات الصغيرة. يبدأ حين يسكت الإنسان عن خطأ لأنه لا يمسه مباشرة، ثم يسكت عن ظلم لأنه لا يصيبه، ثم يعتاد رؤية الباطل حتى يصبح مألوفًا، وما كان يرفضه بالأمس، يتعايش معه اليوم.

وهنا لا يكون الباطل قد انتصر بقوته، بل بضعف مقاومته.

لماذا يبدو الباطل أكثر جاذبية؟

الحقيقة غالبًا تطلب من الإنسان جهدًا؛ أن يفكر، وأن يتحقق، وأن يعترف بخطئه إن اكتشفه.

أما الباطل، فكثيرًا ما يقدم نفسه في صورة مريحة؛ يمنح إجابات سريعة، ويغذي الأهواء، ويخاطب الغرائز أكثر مما يخاطب العقل.

ولهذا قال الفيلسوف الألماني آرثر شوبنهاور:

«كل حقيقة تمر بثلاث مراحل: تُسخر منها، ثم تُقاوَم بعنف، ثم تُعد بديهية.»

هذه المراحل تكشف أن مقاومة الحقيقة ليست دليلًا على ضعفها، بل هي جزء من الطريق الذي تسلكه قبل أن تستقر في العقول.

وفي المقابل، قد ينتشر الباطل بسرعة لأنه لا يطالب الإنسان بتغيير نفسه، بل يطالبه فقط بأن يصدق ما يريحه.

النجاح المؤقت... والوهم الكبير

هناك فرق جوهري بين أن يرتفع الشيء وأن يثبت.

فالزبد يعلو فوق سطح الماء، لكنه لا يبقى.

أما الماء نفسه، فيظل أصل الحياة وإن اختفى تحت ذلك الزبد.

ولهذا فإن كثيرًا من صور النجاح التي يحققها الباطل ليست إلا نجاحات مؤقتة، يفرضها ظرف سياسي، أو إعلامي، أو اقتصادي، أو اجتماعي، ثم تزول بزوال أسبابها.

لقد امتلأ التاريخ بأسماء ظن أصحابها أنهم بلغوا ذروة المجد، ثم لم يبق منهم إلا صفحات تُقرأ للعبرة.

بينما بقي أثر رجالٍ لم يملكوا سلطانًا ولا ثروة، لأنهم امتلكوا ما هو أبقى: الفكرة الصادقة، والمبدأ الثابت، والضمير الحي.

ومن هنا تتغير زاوية النظر تمامًا؛ فليس كل من ربح معركةً قد ربح الحرب، وليس كل من صفق له الناس قد استحق تصفيقهم، وليس كل تأخرٍ للحق هزيمة، كما أن كل تقدمٍ للباطل ليس انتصارًا.







                                                    تليد..

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة