اللعنة التي بدّلت ملامح حياتي
إنه بسم الله الرحمن الرحيم وبعد :
| هل ترى الاختلاف أم تُبصره |
ليست كل اللعنات كلماتٍ تُقال، ولا كل الكوارث نيرانًا تلتهم البيوت، ولا كل الانكسارات تُرى بالعين.
فهناك لعنةٌ من نوعٍ آخر؛ لا يسمعها أحد، ولا يراها المارة، لكنها تهبط على حياة الإنسان هبوط الليل على مدينةٍ كانت تضج بالضوء، فتغيّر ملامحها كلها، حتى إذا نظر إلى نفسه بعد أعوام، لم يعرف الوجه الذي كان يحمله يومًا.
ولعل أكثر ما يثير الحيرة أن الإنسان، قبل أن يذوق مرارة التحول، يظن أن حياته مبنية على ثوابت لا تهتز، وأن الأشخاص الذين أحبهم سيبقون، وأن الصحة ستظل حليفة الجسد، وأن الخطط التي رسمها للمستقبل ستسير كما أراد، وأن الأيام مدينةٌ له بما يشتهي.
ثم تأتي لحظةٌ واحدة...
لحظةٌ لا تستأذن، ولا تراعي استعدادًا، ولا تعبأ بما بناه الإنسان في خياله.
وفجأةً، يتبدل كل شيء.
يستيقظ المرء في صباحٍ يشبه كل صباح، لكنه ينام في مساءٍ لا يشبه أي مساءٍ عرفه من قبل.
وفي تلك اللحظة، لا يتغير العالم وحده، بل تتغير اللغة التي يقرأ بها الإنسان العالم.
إن المصيبة الكبرى ليست دائمًا فيما نخسره، بل فيما تكشفه لنا عن هشاشة يقيننا.
فنحن لا نكتشف ضعف الأشياء عندما تنهار، بل نكتشف أننا كنا نمنحها صفة الدوام، وهي لم تُخلق لذلك.
ولهذا قال الله سبحانه وتعالى:
﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ وَيَبْقَىٰ وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾(سورة الرحمن: 26-27).
إنها ليست آيةً عن الفناء فحسب، بل عن التعلق. إنها تذكّر الإنسان بأن كل ما يتعلق به قلبه في هذه الدنيا قابلٌ للغياب، وأن الثابت الوحيد هو الله سبحانه وتعالى.
لكن الإنسان لا يفهم هذه الحقيقة وهو يقرأها فقط.
إنه يفهمها عندما يعيشها.
حين يرحل شخصٌ كان يظنه جزءًا من مستقبله.
حين يخونه جسده بعد سنواتٍ من القوة.
حين ينهار حلمٌ أنفق من أجله عمرًا كاملًا.
حين يكتشف أن أكثر ما كان يخشاه قد وقع بالفعل... وأنه، رغم ذلك، لا يزال حيًا.
وهنا تبدأ أغرب المفارقات.
فما حسبه الإنسان لعنةً، يبدأ ببطءٍ في إعادة تشكيله.
لا كما يريد هو...
بل كما يحتاج أن يكون.
ولعل أكثر ما يفعله الألم قسوةً، أنه لا يكتفي بتغيير ظروف الإنسان، بل يغيّر طريقته في النظر إلى نفسه وإلى الحياة.
فالإنسان، قبل أن تعصف به المحن، يظن أن العالم يقوم على قواعد ثابتة؛ وأن الاجتهاد يقود دائمًا إلى النجاح، وأن المحبة تضمن البقاء، وأن الإخلاص يمنع الخذلان، وأن التخطيط الدقيق يحمي المستقبل من المفاجآت.
ثم تأتي تجربةٌ واحدة...
فتنسف هذا البناء كله.
ليس لأنها أقوى من الإنسان، بل لأنها أقوى من الصورة التي رسمها في ذهنه عن الحياة.
ومن هنا تبدأ اللعنة الحقيقية.
ليست في الحادثة نفسها، بل في انهيار اليقين الذي كان يسكن القلب.
لقد قال الفيلسوف الألماني فريدريش نيتشه: "من يملك سببًا يعيش من أجله، يستطيع أن يتحمل أي كيف." ورغم اختلاف الناس مع كثير من أفكاره، فإن هذه العبارة تكشف حقيقةً إنسانية؛ فالألم لا يُحطم الإنسان دائمًا، وإنما قد يحطمه فقدان المعنى الذي يربط ذلك الألم بحياته.
ولهذا كتب الطبيب النفسي فيكتور فرانكل، بعد أن عاش أهوال معسكرات الاعتقال، أن الإنسان قد يُسلب كل شيء، إلا حريته في أن يختار موقفه مما يحدث له. ولم يكن يقصد أن الألم سهل، ولا أن الفقد هيّن، بل أن الإنسان لا يملك دائمًا ما يقع عليه، لكنه يملك أن يختار ما الذي سيصنعه به ذلك الذي وقع.
وهنا يبدأ التحول.
فما كان يُسمى لعنةً، يصبح مع الأيام معلمًا صامتًا.
إن بعض التجارب لا تأتي لتأخذ منك شيئًا، بل لتنتزع منك الوهم.
وما أكثر الأوهام التي نعيش فيها دون أن نشعر.
نوهم أنفسنا أن العمر طويل.
وأن الفرص لا تنفد.
وأن الأحبة باقون.
وأن الصحة حقٌّ مكتسب.
وأن الغد مضمون.
ثم تأتي ضربةٌ واحدة، فتُسقط هذه الأوهام جميعًا، ليقف الإنسان أمام الحقيقة مجردًا من كل ما كان يتكئ عليه.
ولعل هذا هو السبب الذي جعل القرآن يربط الابتلاء بالبصيرة، لا بالعقوبة.
قال تعالى:
﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُم بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ ۗ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ﴾(سورة البقرة: 155).
تأمل قوله: ﴿بِشَيْءٍ﴾.
فمهما عظم البلاء في عين الإنسان، فإنه أمام رحمة الله ليس إلا جزءًا يسيرًا من امتحان الدنيا، ودعوةً إلى أن يعيد ترتيب قلبه قبل أن يعيد ترتيب حياته.
ومن أغرب ما يكتشفه الإنسان بعد سنوات، أن التجربة التي كان يتمنى لو لم تقع، هي نفسها التي صنعت أكثر أجزائه نضجًا.
فلو لم يذق الخذلان، لما عرف قيمة الوفاء.
ولو لم يمر بالفقد، لما أدرك أن وجود الأحبة نعمة لا عادة.
ولو لم يتعثر، لبقي يظن أن القوة تعني ألا يسقط أبدًا، بينما القوة الحقيقية هي أن ينهض كلما سقط.
لقد كان يظن أن اللعنة غيّرت حياته...
ثم اكتشف لاحقًا أنها غيّرت نظرته إلى الحياة.
وهذا فرقٌ شاسع.
فالأحداث قد تبدل واقع الإنسان، أما الوعي فإنه يبدل الإنسان نفسه.
وحين يتغير الإنسان من الداخل، يصبح العالم كله مختلفًا، حتى لو بقي كما هو.
ومع مرور الأعوام، يكتشف الإنسان أن ما سمّاه يومًا لعنة لم يكن دائمًا عدوَّه، بل كان في أحيانٍ كثيرة المِعول الذي هدم شخصيته القديمة، ليُفسح المجال لإنسانٍ آخر لم يكن ليولد لولا ذلك الهدم.
إن البناء لا يبدأ دائمًا بوضع الحجارة، بل قد يبدأ بإزالة الأنقاض.
وهكذا هي الحياة.
فبعض الأبواب لا تُفتح إلا بعد أن تُغلق أبوابٌ أخرى، وبعض النوافذ لا يدخل منها الضوء إلا بعد أن ينهار الجدار الذي كان يحجب السماء.
ولذلك فإن أعظم التحولات لا تبدأ حين تتغير الظروف، وإنما حين يتغير الإنسان الذي يعيشها.
لقد كان يظن أن القوة تعني ألا ينكسر.
ثم علّمه العمر أن القوة الحقيقية هي ألا يسمح لانكساره أن يُفسد قلبه.
وكان يظن أن النجاح هو أن يربح دائمًا.
ثم أدرك أن بعض الخسارات كانت أثمن من انتصاراتٍ كثيرة، لأنها منحته ما لم تمنحه سنوات الرخاء؛ منحته البصيرة.
وكان يظن أن الحياة مدينةٌ له بما يحب.
ثم اكتشف أنها لا تُدار بالرغبات، بل بالحكمة الإلهية، وأن الإنسان لا يرى من المشهد إلا زاويةً ضيقة، بينما يرى الله سبحانه الصورة كاملة.
ولهذا قال سبحانه وتعالى:
﴿فَعَسَىٰ أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا﴾(سورة النساء: 19).
إن الآية لا تعد الإنسان بأن كل ألم سيتحول إلى فرحٍ سريع، ولا بأن كل خسارة سيعقبها تعويضٌ يراه بعينيه، لكنها تزرع في القلب يقينًا عظيمًا؛ أن حكمة الله أوسع من إدراكنا، وأن الخير قد يكون مستترًا داخل أكثر الأحداث قسوة، كما تُخفى البذرة في باطن الأرض قبل أن تُصبح شجرةً وارفة.
وقد قال الإمام ابن القيم رحمه الله:
"لو كُشف للعبد الغطاء، ورأى كيف يدبّر الله له أموره، لاختار ما اختاره الله له."
وإن كان معنى هذه الحكمة أوسع من ألفاظها، فإنه يعبّر عن حقيقةٍ يعيشها كثير من الناس؛ فبعد سنواتٍ من الألم، ينظر أحدهم إلى الوراء، فلا يتمنى أن يعود إلى ما كان عليه قبل محنته، لأنه يعلم أن تلك التجربة، على قسوتها، قد أنقذته من جهلٍ بنفسه، ومن تعلقٍ بالدنيا، ومن غرورٍ لم يكن يشعر به.
ولعل أكثر ما يدهش الإنسان، أنه لا يشتاق إلى الشخص الذي كانه قبل الابتلاء، رغم أنه كان أكثر راحة.
لأنه أصبح بعد الابتلاء أكثر فهمًا.
وأكثر رحمة.
وأكثر تواضعًا.
وأقل انبهارًا بزخارف الحياة.
لقد بدّلت المحنة ملامحه، نعم...
لكنها بدّلت ملامح قلبه قبل وجهه.
وأعادت ترتيب أولوياته، حتى صار يفرح بما كان يغفل عنه، ويشكر ما كان يظنه أمرًا عاديًا، ويُدرك أن الطمأنينة ليست ثمرة كثرة ما يملك، بل ثمرة صدق ما يؤمن به.
وعند هذه النقطة، يتوقف الإنسان عن سؤال الحياة: "لماذا حدث هذا لي؟"
ويبدأ بسؤالٍ أكثر حكمة:
"ماذا أراد الله أن يعلمني من خلال هذا الذي حدث؟"
وهذا السؤال وحده كفيلٌ بأن يحوّل المحنة من قيدٍ يُثقِل الروح، إلى جسرٍ تعبر به نحو فهمٍ أعمق لنفسك، وللحياة، ولربك.
وحين يلتفت الإنسان إلى الوراء بعد رحلةٍ طويلة، يدرك أن اللعنة التي ظنها نهاية الطريق، لم تكن إلا بداية الطريق الذي كان ينبغي أن يسلكه منذ البداية.
فبعض الانكسارات لا تأتي لتُنهي الإنسان ، بل لتبنيه على أنقاض من قال لا جوابًا بسخرية.
بل تأتي لتُنهي النسخة التي لم تكن تشبه حقيقته.
ومضة
ليست كل محنةٍ لعنة، ولكن كل لعنةٍ حقيقية هي أن يخرج الإنسان من محنته كما دخلها، دون أن يتغير فيه شيء.
للتأمل
إذا كانت هناك تجربةٌ في حياتك كنتَ تتمنى لو أنها لم تقع، فاسأل نفسك بعد مرور الزمن: هل غيّرت حياتك فقط، أم غيّرتك أنت أيضًا؟ فقد يكون الفرق بين السؤالين هو الفرق بين الألم الذي يُهلك، والألم الذي يُهذّب.
المصادر
- القرآن الكريم.
- صحيح السنة النبوية.
- ابن القيم، الفوائد ومدارج السالكين.
- الإمام الغزالي، إحياء علوم الدين.
- فيكتور فرانكل، الإنسان يبحث عن معنى.
- ماركوس أوريليوس، التأملات.
- سينيكا، في قصر الحياة.
- Carl Jung, Modern Man in Search of a Soul.
تعليقات
إرسال تعليق