حين يتخفّى الخير في هيئة الشر....!

 إنه بسم الله الرحمن الرحيم وبعد :



(الفصل الثاني)


بين الشر الأخلاقي والشر القدري

قبل أن نمضي بعيدًا، لا بد من التمييز بين نوعين من الشر، لأن الخلط بينهما يوقع كثيرًا من الناس في سوء الفهم.

فالشر الأخلاقي هو ما يصدر عن الإنسان بإرادته؛ كالظلم، والخيانة، والقتل، والكذب، واستغلال الضعفاء. وهذا الشر لا يصبح خيرًا لمجرد أن أحدًا استفاد من نتائجه، لأن قيمته الأخلاقية تبقى مرتبطة بالفعل نفسه. فلو أن إنسانًا تعرض للخيانة، ثم أصبحت تلك التجربة سببًا في نضجه، فإن الخير هنا لم يكن في الخيانة، بل في الطريقة التي واجه بها آثارها. لقد بقيت الخيانة شرًّا، لكن الإنسان استطاع أن يمنعها من أن تكون نهاية قصته.

أما الشر القدري، فهو ما يقع على الإنسان من غير اختياره؛ كالمرض، والفقر، وفقد الأحبة، والكوارث، والإخفاقات التي لا يد له فيها. وهذا النوع هو الذي كثيرًا ما يخدعنا في لحظته الأولى؛ إذ يبدو عبثًا محضًا، ثم يكشف الزمن عن آثار لم تكن تخطر على بال.

وهنا يظهر أحد أكبر أوهام العقل البشري؛ فنحن نعتقد أن ما نراه الآن هو الحقيقة كلها، بينما لا نرى إلا جزءًا صغيرًا منها. إن الإنسان يشبه من يقف أمام لوحة فنية عظيمة، ثم يحكم عليها من خلال زاوية لا تتجاوز بضعة سنتيمترات. قد يرى بقعةً سوداء فيظن أن اللوحة قبيحة، ولو ابتعد خطوةً واحدة لرأى أن تلك البقعة كانت ضرورية لتكتمل الصورة.

إن الزمن ليس مجرد مرور للأيام، بل هو العدسة التي تتضح بها معاني الأحداث. فما يبدو اليوم فوضى، قد يتبين غدًا أنه كان ترتيبًا خفيًّا. وما يبدو اليوم انكسارًا، قد يكون بداية بناء لم يكن ممكنًا في ظل الحياة القديمة.

ولعل التاريخ نفسه يقدم شواهد لا تُحصى على ذلك. فكثير من العلماء لم تبدأ إنجازاتهم إلا بعد إخفاقات قاسية، وكثير من المصلحين لم تُولد أفكارهم إلا بعد محن طويلة. ولم يكن الألم هو الخير، وإنما كان النار التي صهرت المعادن حتى أخرجت منها ما كان كامنًا.

وهذا يدفعنا إلى سؤال آخر أكثر عمقًا: لماذا لا يرى الإنسان الخير إلا بعد أن يبتعد عن الحدث؟

السبب أن العاطفة تُعمي البصيرة في اللحظة الأولى. فعندما يتألم الإنسان، يصبح همه أن يتخلص من الألم، لا أن يفهمه. وعندما يخسر، ينشغل بما فقده، لا بما يمكن أن يربحه مستقبلًا. لذلك تكون أحكامنا في أوقات الشدة أقرب إلى الانفعال منها إلى الحكمة.

وليس معنى هذا أن على الإنسان أن يبتسم لكل مصيبة، أو أن ينكر حزنه. فالحزن جزء من الطبيعة البشرية، والدموع ليست دليل ضعف، بل قد تكون أول خطوة نحو التعافي. إنما المقصود ألا يحول الإنسان لحظته العابرة إلى حكم نهائي على حياته كلها. فما أكثر القصص التي بدأت بعبارة: "لو لم يحدث ذلك..."، ثم انتهت باعتراف صادق: "لولا ذلك، لما وصلت إلى ما أنا عليه اليوم."

وهنا تتجلى مفارقة تستحق التأمل: الإنسان يطلب من الحياة أن تكشف له الحكمة قبل أن يعيش التجربة، بينما الحياة لا تكشف حكمتها إلا لمن عبر التجربة حتى نهايتها. ولهذا يبقى الصبر، في كثير من الأحيان، ليس انتظارًا سلبيًا، بل ثقة بأن الحقيقة قد تكون أكبر مما تسمح اللحظة برؤيته.




                                                                             تليد..

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة