لماذا ينجح الباطل أحيانًا.......؟

 إنه بسم الله الرحمن الرحيم وبعد :




لماذا يختار الإنسان الباطل وهو يعلم أنه باطل؟

لعل أكثر ما يثير الدهشة ليس أن يوجد الباطل، فوجوده لازمٌ لوجود الاختيار، وإنما أن يعرف الإنسان الحقيقة ثم يدير ظهره لها. كيف يحدث ذلك؟ وكيف يستطيع العقل أن يقنع صاحبه بما يعلم في أعماقه أنه غير صحيح؟

هذا السؤال شغل الفلاسفة منذ العصور القديمة، لأنهم أدركوا أن الإنسان لا تحركه المعرفة وحدها، بل تحركه أيضًا الرغبات، والمصالح، والخوف، والطموح، وحب الانتماء.

ولهذا لا يكفي أن يعرف الإنسان الحق حتى يتبعه، كما لا يكفي أن يعرف الضرر حتى يتجنبه.

الهوى... الخصم الذي يسكن الداخل

حين يتحدث الناس عن الباطل، فإنهم يتخيلونه عدوًا يأتي من الخارج، بينما أخطر أبوابه قد يكون في داخل النفس.

فالهوى لا يغيّر الحقائق، لكنه يغيّر طريقة رؤيتها.

إن الإنسان إذا أحب فكرةً، بدأ يبحث عن الأدلة التي تؤيدها، وإذا كرهها، بدأ يبحث عن كل ما ينقضها، حتى لو كانت الأدلة متساوية.

وقد أشار أرسطو في الأخلاق النيقوماخية إلى أن الفضيلة ليست مجرد معرفة الخير، بل هي تدريب النفس على اختياره حتى عندما يخالف الرغبة. فالمعرفة وحدها لا تكفي إذا بقيت الشهوة هي صاحبة القرار.

ولهذا قد يعرف الإنسان الصواب، ثم يختار غيره، لأنه أقرب إلى مصلحته أو أكثر إشباعًا لرغبته.

العقل لا يعمل دائمًا كما نظن

اعتاد الإنسان أن يفتخر بعقله، لكنه كثيرًا ما ينسى أن العقل نفسه قد يقع في أوهام وانحيازات.

فالإنسان لا يجمع المعلومات بحياد كامل، بل ينتقي منها ما ينسجم مع معتقداته السابقة، ويتجاهل أحيانًا ما يهدد صورته عن نفسه.

ولهذا يظن أنه يبحث عن الحقيقة، بينما هو في الواقع يبحث عما يؤكد ما يريد أن يصدقه.

وهذا ما يجعل الباطل قادرًا على الاستمرار؛ لأنه يجد في النفس ميلًا إلى الراحة أكثر من ميلها إلى المراجعة.

المصلحة... حين تصبح معيارًا للحقيقة

من أخطر التحولات التي قد تصيب الإنسان أن تصبح المنفعة هي المقياس الذي يحكم به على الأفكار.

فإذا وافقت الفكرة مصلحته، رآها معقولة.

وإذا هددت تلك المصلحة، بدأ يشكك فيها، مهما كانت الأدلة قوية.

وهكذا تتحول الحقيقة من شيء يُكتشف، إلى شيء يُفصَّل على مقاس الرغبات.

وقد وصف نيكولو مكيافيلي في الأمير كيف يمكن للمصلحة السياسية أن تدفع الحاكم إلى اتخاذ قرارات يعلم أنها قاسية أو خادعة إذا رأى فيها وسيلة للمحافظة على سلطانه. وسواء اتفق القارئ مع تحليله أو اختلف، فإنه يكشف بوضوح كيف تستطيع المصلحة أن تزاحم المبادئ عندما تغيب الضوابط الأخلاقية.

لماذا يطول عمر الباطل؟

قد يظن البعض أن بقاء الباطل سنوات أو عقودًا دليل على قوته.

لكن التاريخ يعلمنا أن طول العمر ليس دليلًا على الصحة.

لقد بقيت أنظمة مستبدة قرونًا، ثم انهارت في سنوات قليلة.

وبقيت أفكار خاطئة تدرَّس أجيالًا، ثم اكتشف الناس زيفها عندما ظهرت أدلة جديدة.

إن الزمن قد يؤخر سقوط الباطل، لكنه لا يمنحه الشرعية.

ولهذا قال الفيلسوف الإنجليزي فرانسيس بيكون إن الحقيقة لا تُقاس بسلطان من يتبناها، بل بقدرتها على الصمود أمام الاختبار.

أعظم انتصار للباطل

ليس أعظم انتصار للباطل أن يهزم الحق.

فالحق لا يُهزم بمعناه المطلق.

إنما أعظم انتصار له هو أن يجعل أصحاب الحق يشكون في أنفسهم، أو يصمتون، أو يعتادون وجوده حتى يصبح مألوفًا.

فإذا فقد المجتمع حساسيته تجاه الظلم، أو أصبح الكذب أمرًا عاديًا، أو صارت الأمانة موضع سخرية، فهذه هي اللحظة التي يحقق فيها الباطل أخطر انتصاراته.

إنه لا يغير القوانين فقط، بل يحاول تغيير الضمير.

ولكن... لماذا لا ينتصر الباطل في النهاية؟

لأن الباطل يحمل في داخله بذور فنائه.

إنه يحتاج دائمًا إلى مزيد من الكذب ليحمي كذبة سابقة، وإلى مزيد من القوة ليحافظ على سلطة قائمة على الخوف، وإلى مزيد من التبرير ليخفي تناقضاته.

أما الحقيقة، فلا تحتاج إلى كل هذا.

إنها قد تُحجب، لكنها لا تتغير.

وقد تُؤجل، لكنها لا تموت.

ولهذا كانت الحضارات التي قامت على الخداع أقل عمرًا من الحضارات التي قامت على الثقة والعدل، وكانت الأنظمة التي اعتمدت على القمع أكثر خوفًا من شعوبها، لأنها تعلم في أعماقها أن ما يقوم على الباطل يحتاج إلى حراسة دائمة.

خاتمة المقال

إن السؤال ليس: لماذا ينجح الباطل أحيانًا؟

بل: لماذا نظن أن النجاح العابر هو المعيار الأخير للحقيقة؟

فالإنسان يرى المشهد في لحظة، أما التاريخ فيراه في قرون.

ويرى الربح السريع، ولا يرى الثمن المؤجل.

ويرى ارتفاع الموجة، ولا يرى البحر الذي يحملها.

لقد علّمنا التاريخ أن الباطل قد يعلو، لكنه لا يرسو، وقد يلمع، لكنه لا يضيء، وقد يجذب الأبصار، لكنه يعجز عن منح النفوس سكينةً دائمة.

ولهذا فإن معيار الحقيقة ليس سرعة انتشارها، ولا كثرة أتباعها، ولا حجم القوة التي تحميها، بل قدرتها على البقاء كلما تغيرت الأزمنة، وتبدلت المصالح، وسقطت الأقنعة.


                                                                              تليد..


المراجع

  1. الجمهورية — أفلاطون.
  2. الأخلاق النيقوماخية — أرسطو.
  3. الأمير — نيكولو مكيافيلي.
  4. سيكولوجية الجماهير — غوستاف لوبون.
  5. عن الحرية — جون ستيوارت ميل.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة