هل يصبح الإنسان الشخص الذي كان يخشاه يومًا؟
إنه بسم الله الرحمن الرحيم :
هل يصبح الإنسان الشخص الذي كان يخشاه يومًا؟
في طفولته، يرسم الإنسان صورة واضحة عمّا يريد أن يكون، وصورة أخرى أشد وضوحًا عمّا يرفض أن يصير إليه. يقف أمام قسوة أبٍ فيقول في نفسه: لن أكون مثله. ويشهد خيانة صديق، فيعاهد قلبه ألا يخون أحدًا. ويذوق مرارة الظلم، فيقسم أن يكون عادلًا ما بقي من عمره.
تبدو هذه العهود في لحظتها صلبةً كالصخر، لأن الألم يمنح الإنسان يقينًا مؤقتًا بأن ما يكرهه اليوم سيظل يكرهه إلى الأبد.
لكن السنوات لا تمضي كما نتخيل.
فالحياة ليست مجرد سلسلة من المبادئ، بل سلسلة من الاختبارات. وما يبدو مستحيلًا في زمن الراحة، قد يصبح مفهومًا في زمن المعاناة. وما كان الإنسان يدينه من بعيد، قد يجد نفسه قريبًا منه حين تتغير الظروف، وتشتد الضغوط، وتتكاثر الخيبات.
وهنا يظهر السؤال الذي يثير القلق أكثر من أي سؤال آخر:
هل يصبح الإنسان، مع مرور الزمن، الشخص الذي كان يخشاه يومًا؟
ليس هذا السؤال دعوة إلى التشاؤم، ولا اتهامًا للطبيعة البشرية بالضعف، بل محاولة لفهم واحدة من أكثر التحولات غموضًا في النفس الإنسانية. فالتاريخ، وعلم النفس، وتجارب البشر، تخبرنا أن الإنسان لا يبقى كما هو، وأن التغيير لا يسير دائمًا نحو الأفضل، كما أنه لا يسير دائمًا نحو الأسوأ.
إنه يسير نحو ما يغذيه الإنسان في داخله كل يوم.
عندما يصبح الألم معلّمًا
لا يخرج الإنسان من التجارب القاسية كما دخلها.
فكل جرح يترك أثرًا، وكل خذلان يغيّر شيئًا في طريقة النظر إلى الناس، وكل خيبة تعيد ترتيب الأولويات.
لكن الألم يحمل احتمالين متناقضين.
إما أن يجعل الإنسان أكثر رحمة، لأنه عرف معنى المعاناة، وإما أن يجعله أكثر قسوة، لأنه اعتادها حتى أصبحت جزءًا من منطقه.
ولهذا نرى شخصين تعرضا للظلم نفسه؛ أحدهما يزداد عدلًا، والآخر يتحول إلى ظالم. ليس لأن الحدث اختلف، بل لأن طريقة استجابة كل واحد منهما كانت مختلفة.
فالإنسان لا يرث أخلاقه من تجاربه وحدها، بل من الطريقة التي يفسر بها تلك التجارب.
أخطر ما في الاعتياد
لا تبدأ التحولات الكبرى بانقلاب مفاجئ، بل بخطوات صغيرة لا يكاد الإنسان يلاحظها.
القسوة التي كانت تصدمه، تصبح مع الوقت أمرًا مألوفًا.
والكلمة التي كان يرفض سماعها، تخرج من فمه دون أن ينتبه.
والتصرف الذي كان يدينه في غيره، يجد له مبررات حين يصدر منه.
وهذا ما يسميه علماء النفس التطبيع السلوكي؛ إذ يفقد الإنسان تدريجيًا حساسيته تجاه ما كان يراه مرفوضًا، لا لأنه اقتنع بصوابه، بل لأنه اعتاد وجوده.
ولهذا فإن أخطر التحولات ليست تلك التي يشعر بها الإنسان، بل التي تحدث بصمت حتى تصبح جزءًا من شخصيته.
من يحارب الوحوش...
كتب الفيلسوف الألماني فريدريك نيتشه:
«من يحارب الوحوش، عليه أن يحذر من أن يصبح وحشًا. وإذا أطلت النظر إلى الهاوية، فإن الهاوية تنظر إليك أيضًا.»
لم يكن نيتشه يمجد الشر، بل كان يحذر من أثر الصراع الطويل في النفس الإنسانية. فالإنسان الذي يقضي سنوات يقاوم القسوة، أو الظلم، أو الكراهية، قد يكتسب دون أن يشعر بعض الأدوات التي كان يحاربها.
فمن يعيش عمره كله بين القساة، يحتاج إلى يقظة دائمة حتى لا تصبح القسوة لغته.
ومن يقاتل الكذب، يحتاج إلى شجاعة الاعتراف حتى لا يقع في الكذب الذي يبرره لنفسه.
إن مواجهة الشر لا تعصم الإنسان من التشبه به، إذا فقد وعيه بنفسه أثناء الطريق.
هل الظروف أقوى من المبادئ؟
يحب الإنسان أن يعتقد أن مبادئه ثابتة، وأن أخلاقه لا تتغير مهما اشتدت الظروف.
لكن الحقيقة أكثر تعقيدًا.
فالظروف لا تصنع الأخلاق من العدم، لكنها تكشف قوتها أو هشاشتها.
إن المبادئ التي لم تُختبر بعد، ليست دليلًا على الصلابة، بل مجرد وعود تنتظر الامتحان.
ولهذا فإن الإنسان لا يعرف نفسه حقًا في أوقات الرخاء، بل حين يُوضع أمام خيارات مؤلمة، يكون فيها كل قرار خسارة من نوع ما.
هناك فقط يكتشف: هل ما كان يؤمن به جزء من شخصيته، أم مجرد فكرة أحبها عندما كانت سهلة التطبيق؟
الفرق بين التشبه والفهم
قد يصل الإنسان إلى مرحلة يفهم فيها من كان يكرهه.
وهذا لا يعني أنه أصبح مثله.
فالفهم شيء، والتبرير شيء آخر.
أن تدرك لماذا كان والدك قاسيًا، لا يعني أن تصبح قاسيًا.
وأن تفهم لماذا خان غيرك، لا يعني أن تمنح نفسك الحق في الخيانة.
إن الوعي يمنح الإنسان القدرة على تفسير السلوك، لكنه لا يسلبه مسؤولية اختياره.
وهنا يكمن الفرق بين الإنسان الذي ينضج، والإنسان الذي يستسلم.
هل يمكن كسر الحلقة؟
نعم.
لكن ذلك يبدأ باعتراف مؤلم.
أن يجرؤ الإنسان على سؤال نفسه:
ما الصفات التي كنت أرفضها في غيري، ثم بدأت أراها في نفسي؟
هذا السؤال وحده قد يكون بداية النجاة.
فالإنسان لا يتحول فجأة إلى شخص آخر، بل يتغير كل يوم بمقدار ما يسمح به لصغائر الأفعال أن تتراكم.
وكل مراجعة صادقة للنفس توقف هذا التراكم قبل أن يصبح هوية.
خاتمة
ليس أكثر رعبًا من أن يكتشف الإنسان، بعد سنوات، أنه يحمل في صوته نبرةً كان يخشاها، أو في ملامحه قسوةً كان يهرب منها، أو في قراراته ظلمًا أقسم يومًا ألا يمارسه.
لكن الرعب الحقيقي ليس في هذا الاكتشاف، بل في تجاهله.
فالإنسان ليس محكومًا بأن يصبح نسخة ممن آذوه، كما أنه ليس أسيرًا لتجارب الماضي. لقد مُنح نعمة الوعي، والوعي هو القدرة على أن يرى نفسه كما هي، لا كما يحب أن يراها.
وربما لهذا لا يكون السؤال الأهم: هل أصبحنا الأشخاص الذين كنا نخشاهم؟
بل:
إذا اكتشفنا أننا بدأنا نشبههم... فهل نملك الشجاعة الكافية لنعود إلى أنفسنا قبل أن يفوت الأوان؟
لأن الإنسان لا يُقاس بعدد الجراح التي حملها، بل بعدد الجراح التي رفض أن يورثها لغيره.
المراجع
- Friedrich Nietzsche, Beyond Good and Evil (1886), Aphorism 146.
- Carl Gustav Jung, The Undiscovered Self, 1957.
- Viktor E. Frankl, Man's Search for Meaning, 1946.
- Albert Bandura, Social Learning Theory, 1977
تعليقات
إرسال تعليق