هل يصبح الإنسان الشخص الذي كان يخشاه يومًا؟ المواجهة بينك ونسختك ...؟
إنه بسم الله الرحمن الرحيم وبعد :
الوعي... الحاجز الأخير بين الإنسان ونسخته التي يخشاها
ليست المشكلة في أن يتغير الإنسان، فالتغير قانون الحياة، ولا أحد يبقى كما كان قبل عشر سنوات، بل ولا كما كان قبل عام واحد. المشكلة الحقيقية أن يحدث هذا التغير دون أن يشعر به صاحبه.
إن أخطر الناس ليس القاسي، وإنما القاسي الذي يعتقد أنه ما زال رحيمًا.
وليس الظالم، وإنما الظالم الذي يرى نفسه ضحية في كل موقف.
وليس الكاذب، وإنما الكاذب الذي أقنع نفسه أن ما يقوله ضرورة لا مفر منها.
حين يفقد الإنسان القدرة على رؤية نفسه بصدق، يبدأ في بناء نسخة جديدة من ذاته، نسخة لا تشبه الصورة التي يحملها في ذهنه، لكنها تشبه أفعاله في الواقع.
ولهذا كان الوعي أعظم وسائل الحماية التي يمتلكها الإنسان؛ لأنه المرآة التي تكشف له ما لا يريد أن يراه.
فالإنسان يستطيع أن يخدع الناس سنوات طويلة، لكنه إذا اعتاد خداع نفسه، فلن يبقى في داخله من يصحح مساره.
لا أحد يولد شريرًا
من السهل أن نصف الآخرين بالأشرار، لكن الواقع أكثر تعقيدًا من ذلك.
فقليل من الناس يستيقظ صباحًا وهو يعقد النية على أن يكون ظالمًا أو مؤذيًا. أغلبهم يبدأ بخطوة صغيرة، ثم أخرى، ثم ثالثة، وكل خطوة تبدو في نظره مبررة بسبب ظرفٍ ما أو جرحٍ قديم أو خوفٍ حاضر.
ومع مرور الوقت، لا يعود يميز بين ما اضطر إليه يومًا، وما أصبح جزءًا من شخصيته.
وهنا تكمن مأساة الإنسان؛ فهو لا يتحول إلى شخص آخر في لحظة واحدة، بل في آلاف اللحظات الصغيرة التي لم ينتبه إليها.
الشجاعة التي لا يراها أحد
يظن كثيرون أن الشجاعة هي مواجهة الخصوم، أو تحمل المشاق، أو الانتصار في المعارك.
لكن هناك شجاعة أشد ندرة.
أن يقف الإنسان أمام نفسه دون أعذار.
أن يعترف بأنه أخطأ.
أن يقول: لقد بدأت أفقد شيئًا من الإنسان الذي أردت أن أكونه.
هذا الاعتراف مؤلم، لأنه يهدم الصورة المثالية التي رسمها الإنسان لنفسه، لكنه في الوقت نفسه هو الخطوة الأولى نحو استعادتها.
فالإنسان لا ينمو عندما يثبت أنه كان على حق دائمًا، بل عندما يمتلك من الصدق ما يكفي ليعترف بأنه كان مخطئًا.
الإنسان ليس أسير ماضيه
من أكثر الأفكار ظلمًا للإنسان أن يُقال له إن ماضيه هو مستقبله.
صحيح أن الماضي يترك آثاره، لكنه لا يكتب النهاية.
كم من إنسان خرج من بيتٍ امتلأ بالعنف، فصار أبًا حنونًا.
وكم من شخص عاش الفقر، فأصبح كريمًا لا بخيلًا.
وكم من قلب ذاق الخذلان، فاختار الوفاء بدلًا من الانتقام.
ليست قيمة الإنسان فيما حدث له، بل فيما قرر أن يفعله بما حدث له.
فالمعاناة قد تكون بذرة للشر، لكنها قد تكون أيضًا بذرة للحكمة، والفرق بينهما هو القرار الذي يتخذه الإنسان عندما يقف عند مفترق الطرق.
خاتمة
ربما لا يستطيع الإنسان أن يمنع الحياة من أن تجرحه، ولا أن يمنع الآخرين من أن يتركوا في نفسه ندوبًا لا تزول، لكنه يستطيع أن يختار ما إذا كانت تلك الندوب ستصبح أبوابًا يدخل منها النور، أم شقوقًا يتسرب منها الظلام.
إن أعظم انتصار لا يتحقق عندما يهزم الإنسان خصومه، بل عندما يهزم النسخة التي كادت الظروف أن تصنعها منه.
فالذين آذونا قد ينجحون في ترك أثرٍ في ذاكرتنا، لكنهم لا ينبغي أن ينجحوا في إعادة تشكيل أخلاقنا.
ولهذا، فإن السؤال الذي يستحق أن يرافق الإنسان طوال حياته ليس:
هل تغيرت؟
بل:
هل ما زلت أختار، كل يوم، أن أكون الإنسان الذي كنت أتمنى أن أصبحه، أم أنني أعيش اليوم بما فرضته عليَّ جراح الأمس؟
فبين الإنسان الذي تصنعه جراحه، والإنسان الذي يصنع من جراحه حكمة... يكمن الفرق بين من استسلم للماضي، ومن انتصر عليه.
تليد..
تعليقات
إرسال تعليق