الأشياء التي نفقدها بمجرد أن نلاحظ وجودها

 إنه بسم الله الرحمن الرحيم وبعد :


تتوالى الفراغات



الأشياء التي نفقدها قبل أن نلاحظ وجودها

ليست أعظم خسائر الإنسان تلك التي تقع فجأة، بل تلك التي كانت ترافقه كل يوم، ثم اختفت قبل أن ينتبه إلى أنها كانت نعمة.

فالإنسان لا يبكي الشمس لأنها تشرق كل صباح، ولا يلتفت إلى الهواء لأنه يملأ رئتيه دون استئذان، ولا يشعر بعظمة نبضات قلبه لأنها تعمل في صمتٍ منذ ولادته. إننا لا نندهش مما يتكرر، بل نعتاده، وما نعتاده يتوارى عن أعيننا حتى نظن أنه جزء ثابت من العالم، لا يمكن أن يغيب.

وهنا تبدأ إحدى أكثر المفارقات إيلامًا في الحياة؛ فنحن لا نفقد الأشياء أولًا، بل نفقد القدرة على رؤيتها، ثم يأتي الفقد الحقيقي بعد ذلك.

كم من ابنٍ كان يسمع صوت أمه كل يوم، حتى أصبح الصوت جزءًا من تفاصيل الحياة، فلم يعد يلتفت إليه. ثم يأتي يومٌ يبحث فيه عن ذلك الصوت فلا يجده، فيدرك أن ما كان يظنه أمرًا عاديًا كان من أعظم نعم الله عليه.

وكم من إنسانٍ كان يخرج من بيته معافى، يسير على قدميه، ويتنفس بطمأنينة، دون أن يخطر في باله أن ملايين البشر يتمنون نعمةً يعيشها هو دون أن يشعر بها.

إن المشكلة ليست في قلة النعم، بل في قلة الانتباه إليها.

ولذلك قال الله تعالى:

﴿وَإِن تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا﴾
(سورة النحل: 18).

إن هذه الآية ليست إخبارًا عن كثرة النعم فحسب، بل هي تذكير بأن الإنسان يعيش محاطًا بخيرات لا يستطيع حتى أن يحيط بها علمًا، فضلًا عن أن يؤدي شكرها. فكم من نعمة تمر بنا كل يوم، حتى إذا غابت، اكتشفنا أنها كانت تحمل جزءًا من سعادتنا دون أن نشعر.

ومن هنا فإن الحياة لا تعلمنا دائمًا قيمة الأشياء عند امتلاكها، بل عند غيابها.

ولعل هذا ما يجعل الفقد من أقسى معلمي الإنسان؛ لأنه يكشف له، في لحظة واحدة، قيمة ما كان يظنه أمرًا عاديًا.


ومن أعجب ما في الإنسان أنه لا يعتاد الأشياء لأنها قليلة القيمة، بل لأنه يراها كل يوم. فالتكرار لا يُنقص النعمة، لكنه يُضعف الإحساس بها. ولذلك لا يشعر المرء بعظمة بيته إلا حين يبتعد عنه، ولا بقيمة صحته إلا حين يداهمه المرض، ولا براحة قلبه إلا عندما يفقدها.

إن النفس البشرية خُلقت على قابليةٍ مدهشة للتكيف. وهذه القدرة، على الرغم من أنها تعين الإنسان على تجاوز المحن، تحمل في داخلها مفارقةً أخرى؛ فهي تجعل الإنسان يتأقلم مع النعم كما يتأقلم مع المصاعب. وما إن تصبح النعمة جزءًا من روتينه، حتى يتوقف عن رؤيتها، وكأنها أصبحت حقًا مكتسبًا لا فضلًا متجددًا.

ولهذا، فإن أكثر الناس شقاءً ليس دائمًا من قلَّت نعمه، بل قد يكون من كثرت نعمه حتى اعتادها.

وقد توصل علماء النفس إلى ما يُعرف بـ "التكيف اللذّي" (Hedonic Adaptation)، وهو ميل الإنسان إلى العودة سريعًا إلى مستوى اعتيادي من الرضا بعد حصوله على نعمة جديدة. فيفرح بالبيت الجديد، ثم يصبح البيت أمرًا مألوفًا. ويشتري السيارة التي حلم بها، ثم لا تلبث أن تتحول إلى وسيلة نقل عادية. ويبلغ المنصب الذي سعى إليه سنوات، ثم يبدأ بالبحث عن منصبٍ آخر.

إن الإنسان لا يتوقف عن الرغبة لأنه فقير، بل لأنه ينسى ما يملك بمجرد أن يعتاده.

ولعل هذا هو السر في أن القرآن الكريم يكرر الدعوة إلى الشكر أكثر من الدعوة إلى طلب المزيد. فالشكر لا يزيد النعمة فحسب، بل يعيدها إلى دائرة الوعي. إنه يجعل الإنسان يرى ما كان موجودًا أمامه، لكنه لم يكن حاضرًا في قلبه.

قال تعالى:

﴿لَئِن شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ﴾
(سورة إبراهيم: 7).

وليست الزيادة دائمًا في عدد النعم، بل قد تكون في القدرة على تذوقها. فما أكثر من يعيش في وفرة، لكنه لا يشعر بالغنى، وما أكثر من يملك القليل، لكنه يملأ قلبه الرضا.

ومن الأشياء التي نفقدها قبل أن نلاحظ وجودها... الوقت.

إنه أغرب ما يملكه الإنسان؛ لأنه ينفقه في كل لحظة، حتى وهو لا يشعر بأنه ينفق شيئًا. لا يسمع الإنسان صوت الساعات وهي تغادره، ولا يرى الأيام وهي تتسرب من بين يديه، حتى يفاجأ يومًا بأن سنواتٍ كاملة أصبحت خلفه.

وقد قال الحسن البصري رحمه الله:

"يا ابن آدم، إنما أنت أيام، فإذا ذهب يومٌ ذهب بعضك."

وما أعظم هذه الكلمة؛ فهي لا تقول إن الأيام تمر، بل تقول إن الإنسان نفسه يمر معها. فالوقت ليس شيئًا خارجنا، بل هو جزء من أعمارنا، وكل ساعة تنقضي ليست صفحةً من التاريخ، بل صفحةٌ من حياتنا لن تُكتب مرةً أخرى.

ومن النعم التي لا نراها إلا بعد غيابها أيضًا... راحة البال.

فما دام القلب مطمئنًا، يظن الإنسان أن السكينة أمرٌ طبيعي. لكنه إذا ذاق القلق الطويل، أو الأرق، أو الخوف، أدرك أن راحة النفس كانت من أعظم الهبات التي عاشها دون أن يلتفت إليها.

ولهذا كان النبي ﷺ يكثر من سؤال الله العافية، لأن الإنسان لا يعرف قيمة العافية إلا إذا فقدها، سواء كانت عافية الجسد أو عافية القلب أو عافية الروح.

ومن أكثر ما يؤلم الإنسان، أنه لا يكتشف قيمة بعض الأشخاص إلا بعد أن يصبح لقاؤهم مستحيلًا.

ليس لأن محبتهم ازدادت بعد الغياب، بل لأن ضجيج الحياة كان يحجبه عن رؤية ما كانوا يضيفونه إلى أيامه. كانت كلماتهم، ووجودهم، واهتمامهم، تبدو تفاصيل صغيرة، حتى اختفت، فعرف أن التفاصيل الصغيرة هي التي كانت تصنع جمال الحياة.

ولذلك فإن أعظم ما يفقده الإنسان ليس الأشياء الكبيرة، بل الأشياء التي كانت تبدو صغيرة لأنها كانت دائمة.


ولعل أكثر الأشياء التي نفقدها قبل أن نلاحظ وجودها... أنفسنا.

لا يحدث ذلك في يومٍ واحد، ولا يشعر به الإنسان وهو يقع. بل يبدأ الأمر صغيرًا؛ يؤجل راحته من أجل عملٍ لا ينتهي، ويؤجل لقاء أحبته بحجة الانشغال، ويؤجل أحلامه حتى "تحين الظروف المناسبة"، ويؤجل الاعتناء بروحه حتى يفرغ، لكنه لا يفرغ أبدًا.

ومع مرور السنوات، يكتشف أنه حافظ على أشياء كثيرة، لكنه أضاع شيئًا كان أثمن منها جميعًا؛ أضاع الإنسان الذي كانه.

إن الحياة لا تسلبنا أنفسنا دفعةً واحدة، بل تستردها منا على أقساط، كلما قبلنا أن نعيش بلا تأمل، أو بلا امتنان، أو بلا حضور.

ولهذا لم يكن أعظم الفقراء من فقد المال، بل من فقد القدرة على الاستمتاع بما لديه. ولم يكن أعظم الخاسرين من خسر تجارةً أو منصبًا، بل من خسر سلام قلبه وهو يطارد ما ظنه سعادة.

ومن الأشياء التي لا ننتبه إلى وجودها حتى تغيب... القدرة على البدايات.

فالطفل يبدأ بلا خوف، والشاب يبدأ بأحلام واسعة، لكن كثرة التجارب قد تجعل الإنسان يخشى المحاولة، ويخاف التغيير، ويؤثر البقاء في المألوف على السير نحو المجهول. وحينها لا يكون قد فقد فرصةً واحدة، بل فقد شجاعة البداية نفسها.

ولذلك كان القرآن الكريم يربط الإنسان دائمًا بالأمل، مهما تعاظمت الخسائر، لأن اليأس ليس فقدانًا لشيء خارج الإنسان، بل فقدانٌ لما في داخله.

قال الله تعالى:

﴿وَلَا تَيْأَسُوا مِن رَّوْحِ اللَّهِ ۖ إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِن رَّوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ﴾
(سورة يوسف: 87).

إنها دعوة إلى أن يحافظ الإنسان على أعظم ما يملكه: قلبه الحي، الذي لا يزال قادرًا على الرجاء، وعلى المحبة، وعلى النهوض بعد السقوط.

وقد كتب الطبيب النفسي فيكتور فرانكل، بعد أن خرج من معسكرات الاعتقال، أن الإنسان قد يُحرم من أشياء لا تُحصى، لكن أخطر ما يمكن أن يفقده هو المعنى. فإذا بقي المعنى، استطاع أن يبدأ من جديد، وإذا ضاع، لم تعد كثرة ما يملك قادرةً على أن تمنحه الطمأنينة.

ومن أعظم نعم الله التي لا يشعر بها كثير من الناس... الفرصة.

فالفرصة ليست بابًا يبقى مفتوحًا إلى الأبد، ولا وعدًا بأن الغد سيكون كما اليوم. فكم من كلمة اعتذار تأخرت حتى أصبح الاعتذار بلا جدوى، وكم من كلمة شكر حُبست في الصدر حتى رحل من كان يستحق سماعها، وكم من محبةٍ صادقة لم يُفصح عنها صاحبها إلا بعد أن صار اللقاء مستحيلًا.

ولهذا قال النبي ﷺ:

«اغتنم خمسًا قبل خمس: شبابك قبل هرمك، وصحتك قبل سقمك، وغناك قبل فقرك، وفراغك قبل شغلك، وحياتك قبل موتك.»

إن هذا الحديث لا يدعو إلى الخوف من المستقبل، بل إلى احترام الحاضر، لأن ما نملكه اليوم قد يصبح غدًا من الأشياء التي نتمنى لو عادت ساعةً واحدة.

وحين يتأمل الإنسان حياته بعد أعوام، يدرك أن النعم لم تكن قليلة كما كان يظن، بل كان انتباهه إليها قليلًا. وأن الحياة لم تكن بخيلة، بل كان قلبه منشغلًا عن رؤية عطاياها.

إن أعظم المآسي ليست أن نفقد النعم، وإنما أن نعيش معها طويلًا دون أن نشعر بوجودها، ثم نبكيها عندما تصبح ذكرى لا يمكن استعادتها.

ولهذا فإن الحكمة ليست أن ننتظر الفقد حتى نتعلم قيمة الأشياء، بل أن نتعلم الامتنان وهي لا تزال بين أيدينا.

فالوالدان نعمة قبل أن يصبح الدعاء لهما بدلًا من الحديث معهما.

والصحة نعمة قبل أن تتحول إلى أمنية.

والوقت نعمة قبل أن يصبح ماضيًا.

والسكينة نعمة قبل أن يسرقها القلق.

والحياة نفسها نعمة، ما دام في العمر يومٌ آخر يمكن أن نصلح فيه ما أفسدناه، ونقول فيه كلمة خير، ونشكر فيه الله على ما كنا نظنه عاديًا، فإذا هو من أعظم عطاياه.


ومضة

ليست النعم قليلة، ولكن الاعتياد يجعلها صامتة، حتى يتكلم غيابها.


للتأمل

كم نعمةً تعيش معها اليوم، لو فقدتها غدًا، لتمنيت أن تعود ولو ليومٍ واحد؟ وهل شكرت الله عليها قبل أن يخبرك الفقد بقيمتها؟


المصادر

  •  القرآن الكريم.
  • صحيح السنة النبوية.
  • الإمام ابن القيم، الفوائد.
  • الإمام الغزالي، إحياء علوم الدين.
  • الحسن البصري، الآثار المروية عنه.
  • فيكتور فرانكل، الإنسان يبحث عن معنى.
  • Daniel Kahneman, Thinking, Fast and Slow.
  • Sonja Lyubomirsky, The How of Happiness (حول التكيف مع النعم والامتنان).



                                                                        تليد..

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة