متى يصبح الذكاء عائقًا أمام الحكمة؟

 إنه بسم الله الرحمن الرحيم وبعد :



(الفصل الثاني والأخير)


الذكاء حين يخدع صاحبه

تكمن المفارقة في أن الذكاء لا يُضل الإنسان بسبب نقصه، بل قد يُضلّه بسبب وفرته. فكلما ازدادت قدرة العقل على التحليل، ازدادت أيضًا قدرته على اختراع المبررات، وإخفاء التناقضات، وتزيين الأخطاء حتى تبدو منطقية. وهنا لا يعود الذكاء طريقًا إلى الحقيقة، بل يصبح وسيلة للهروب منها.

فالإنسان البسيط قد يعترف بخطئه لأنه لا يملك إلا الحقيقة كما يراها، أما شديد الذكاء فقد يمتلك عشرات الحجج التي تجعله يقنع نفسه بأنه لم يخطئ أصلًا. إنه لا يكذب على الآخرين فحسب، بل يبدأ، من حيث لا يشعر، بالكذب على نفسه.

ولهذا قال الفيلسوف الإنجليزي فرانسيس بيكون:

«العقل البشري، إذا تبنى رأيًا، جذب إليه كل ما يؤيده، وأعرض عما يخالفه.»

إنها ليست مشكلة الجهل، بل مشكلة العقل عندما يتحول من باحث عن الحقيقة إلى محامٍ يدافع عن قناعاته. ومنذ تلك اللحظة، يصبح الذكاء خادمًا للهوى، لا للحكمة.

ولعل أخطر ما يصيب الإنسان الذكي أنه يعتاد الانتصار في النقاشات، فيظن أنه انتصر للحقيقة. لكنه يغفل عن أن قوة الحجة لا تعني دائمًا صحة الفكرة، وأن البلاغة قد تُخفي الفراغ كما قد تكشف الامتلاء.

لقد شهد التاريخ خطباء امتلكوا من الذكاء ما مكنهم من تحريك الجماهير، لكنهم ساقوا أممًا بأكملها إلى الحروب والدمار. ولم يكن ينقصهم الذكاء، بل كانت تنقصهم الحكمة التي تضع حدودًا للأفكار قبل أن تتحول إلى أفعال.

وهنا يظهر الفرق الجوهري بين الذكاء والحكمة.

فالذكاء يسأل: كيف أصل إلى ما أريد؟

أما الحكمة فتسأل أولًا: هل ما أريده يستحق أن أصل إليه؟

الذكاء يبحث عن الوسيلة، أما الحكمة فتفحص الغاية. ولذلك قد يستخدم شخصان القدر نفسه من الذكاء، لكن أحدهما يبني به مستشفى، والآخر يبني به سجنًا. فالعقل يمنح القدرة، أما الحكمة فتمنح الاتجاه.

ولهذا لم يكن أعظم الحكماء عبر التاريخ هم أكثر الناس معرفةً، وإنما أكثرهم تواضعًا أمام المعرفة. كانوا يدركون أن كل حقيقة يصلون إليها تفتح أمامهم أسئلة جديدة، وأن العقل الذي يتوقف عن الشك في نفسه يبدأ، ببطء، في الابتعاد عن الحقيقة.

ولعل أخطر لحظة في حياة الإنسان ليست حين يجهل، بل حين يقتنع أنه لم يعد بحاجة إلى أن يتعلم. ففي تلك اللحظة يتوقف نمو العقل، ويصبح الذكاء سجنًا صنعه صاحبه بيديه، لأنه أغلق الباب الذي كانت تدخل منه الأفكار الجديدة.

ومن هنا نفهم لماذا كان بعض العظماء يفضلون سؤالًا صادقًا على جواب متعجل، ولماذا كانت الحكمة، في نظرهم، ليست كثرة المعلومات، بل حسن التعامل معها. فليس كل من عرف كثيرًا فهم كثيرًا، وليس كل من حفظ الحقائق امتلك البصيرة التي تهديه إلى استخدامها في موضعها الصحيح.

وهكذا، فإن الذكاء يبلغ ذروته عندما يعترف بحدوده، أما إذا ظن أنه قادر على الإحاطة بكل شيء، فقد بدأ يفقد أهم صفاته؛ وهي القدرة على التعلم. فالعقل الممتلئ بنفسه لا يجد مكانًا لحقيقة جديدة، بينما العقل المتواضع يظل قادرًا على النمو ما دام صاحبه حيًا.





                                                                                   تليد..

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة