متى يصبح الذكاء عائقًا أمام الحكمة؟

إنه بسم الله الرحمن الرحيم وبعد :



(الفصل الاول)

لو كان الذكاء وحده كافيًا لإنقاذ الإنسان، لما شهد التاريخ حضاراتٍ انهارت وهي في ذروة تقدمها، ولما ارتكب بعض أكثر العقول عبقريةً أخطاءً غيّرت مصير أمم بأكملها. فالعقل قادرٌ على اختراع الدواء، وهو قادرٌ أيضًا على اختراع السم. وقادرٌ على بناء الجسور، كما هو قادرٌ على تصميم أدوات الدمار. ولذلك لم يكن السؤال الحقيقي عبر التاريخ: هل الإنسان ذكي؟ بل كان: كيف يستخدم ذكاءه؟

اعتاد الناس أن يضعوا الذكاء في قمة الفضائل، حتى أصبح وصف الإنسان بالذكاء يُعد ثناءً لا يحتاج إلى تفسير. غير أن التأمل في التاريخ، وفي النفس البشرية، يقود إلى نتيجة أكثر تعقيدًا؛ فالذكاء ليس فضيلة أخلاقية، ولا ضمانة للحكمة، بل هو قدرة محايدة، يمكن أن تكون وسيلةً للخير كما يمكن أن تتحول إلى أداةٍ للخداع والتبرير والهيمنة.

ولهذا فإن العلاقة بين الذكاء والحكمة ليست علاقة تطابق، بل علاقة قد تنسجم أحيانًا، وقد تتصادم أحيانًا أخرى.

فالذكي يستطيع أن يجد مبررًا لكل خطأ يرتكبه، وأن يصوغ الحجج التي تخفي الحقيقة بدلًا من أن تكشفها. وقد يمتلك سرعةً في التفكير تجعله يسبق الآخرين إلى الاستنتاج، لكنه لا يمنح نفسه الوقت الكافي ليتساءل: هل هذا الاستنتاج صحيح أصلًا؟

ومن هنا يبدأ الذكاء في التحول من نعمة إلى عبء.

إن الحكيم لا يختلف عن الذكي في قدرته على التفكير، بل يختلف عنه في علاقته بالحقيقة. فالذكي يبحث غالبًا عن الإجابة الأسرع، أما الحكيم فيحتمل بقاء السؤال مفتوحًا إذا لم يجد له جوابًا صادقًا. الذكي يريد أن ينتصر في النقاش، أما الحكيم فيريد أن ينتصر للحق، حتى لو كان ذلك على حساب رأيه السابق.

ولعل سقراط كان من أوائل من أدرك هذه المفارقة حين جعل بداية الحكمة الاعتراف بحدود المعرفة، فنُسب إليه قوله المشهور:

«كل ما أعرفه أنني لا أعرف شيئًا.»

ولم تكن هذه العبارة إعلانًا للجهل، بل إعلانًا للتواضع العقلي؛ لأن أخطر ما قد يصيب الإنسان ليس نقص الذكاء، وإنما امتلاء العقل بوهم الاكتمال. فالعقل الذي يظن أنه وصل إلى الحقيقة النهائية يتوقف عن البحث، وعندها يتحول الذكاء إلى جدار يحجب عنه كل ما يخالف قناعته.

وهنا يظهر السؤال الذي سيقودنا في هذا المقال:

متى يتحول الذكاء من أداة لاكتشاف الحقيقة... إلى حجاب يمنع الإنسان من رؤيتها؟





                                                                          تليد ..

 

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة