الفشل ..... (الجزء السادس)
إنه بسم الله الرحمن الرحيم وبعد :
الفصل السادس: لماذا يخاف الإنسان من الفشل؟
لو كان الفشل مجرد نتيجة غير مرغوبة، لما استحوذ على هذا القدر من الخوف الذي يسكن النفوس. فالإنسان لا يخشى الفشل لأنه مؤلم فحسب، بل لأنه يمنحه شعورًا بأنه فقد شيئًا من قيمته أمام نفسه وأمام الآخرين. ولهذا فإن الخوف من الفشل ليس خوفًا من الحدث ذاته، وإنما خوف من المعنى الذي يمنحه الإنسان لذلك الحدث.
واللافت أن هذا الخوف يكاد يكون عالميًا؛ فهو لا يقتصر على ثقافة دون أخرى، ولا على زمن دون آخر. فالطالب يخشى الرسوب، والتاجر يخشى الخسارة، والكاتب يخشى رفض أفكاره، والعالم يخشى أن تنهار فرضيته بعد سنوات من البحث. غير أن اختلاف الأشخاص لا يكون في وجود الخوف، بل في طريقة التعامل معه؛ فمنهم من يجعله دافعًا للحذر والاجتهاد، ومنهم من يسمح له بأن يتحول إلى قيد يمنعه من المحاولة أصلًا.
يرى علماء النفس أن جذور هذا الخوف تبدأ في مراحل مبكرة من حياة الإنسان. فالطفل الذي يُكافأ على النجاح وحده، ويُعاقب على كل خطأ دون أن يُشرح له سبب الخطأ، قد ينشأ وهو يربط قيمته الشخصية بنتائجه. وعندما يكبر، يصبح الفشل في نظره تهديدًا لكرامته، لا مجرد تجربة يمكن التعلم منها. وهكذا يتكون اعتقاد خفي مفاده: إذا أخفقت، فأنا أقل قيمة.
ويزداد هذا الشعور قوة عندما يعيش الإنسان في مجتمع يبالغ في الاحتفاء بالنجاح، ويتجاهل الطريق الذي سبق إليه. فنحن نقرأ عن المخترع بعد أن ينجح، ولا نقرأ عن سنوات الإخفاق التي عاشها. ونرى الرياضي وهو يرفع كأس البطولة، ولا نرى آلاف الساعات التي قضاها في التدريب والهزائم والإصابات. ومع مرور الزمن، تتكون صورة مضللة توحي بأن النجاح يأتي بسهولة، وأن الفشل دليل على نقصٍ في الموهبة، بينما الحقيقة أن معظم الإنجازات العظيمة سبقتها محاولات كثيرة لم تُثمر.
ومن منظور علم الأعصاب، يرتبط الخوف من الفشل بآليات قديمة في الدماغ كانت ضرورية لبقاء الإنسان. فالدماغ يميل بطبيعته إلى تجنب الأخطار والخسائر، لأن أسلاف البشر الذين كانوا أكثر حذرًا كانت فرص بقائهم أكبر. لكن المشكلة أن الدماغ لا يميز دائمًا بين الخطر الحقيقي والخطر الاجتماعي؛ فهو قد يتعامل مع نظرة استهزاء أو نقدٍ علني بالطريقة نفسها التي يتعامل بها مع تهديد جسدي، فيستجيب بالتوتر والقلق.
ولهذا نجد أن كثيرًا من الناس لا يخشون الفشل نفسه، بل يخشون نظرة الآخرين إليه. فقد يتردد شخص في بدء مشروع جديد، لا لأنه يعتقد أنه سيفشل، بل لأنه يخاف أن يقال عنه إنه فشل. وقد يمتنع آخر عن نشر كتاب أو تقديم فكرة، ليس لضعفها، بل خوفًا من النقد. وهنا يصبح المجتمع، من حيث لا يشعر، شريكًا في صناعة الخوف، عندما يربط احترام الإنسان بنتائجه لا بجهوده.
وقد تناول الفيلسوف سورين كيركغور هذا الجانب حين رأى أن القلق جزء أصيل من التجربة الإنسانية، وأن الإنسان كلما امتلك حرية الاختيار ازداد شعوره بالمسؤولية، ومن ثم ازداد خوفه من اتخاذ القرار الخاطئ. فالخوف من الفشل، في جانب منه، هو الوجه الآخر للرغبة في النجاح.
أما فريدريك نيتشه فقد رأى أن الإنسان يزداد قوة عندما يواجه الصعوبات بدلًا من الهروب منها. ولم يكن يقصد تمجيد الألم، بل التأكيد على أن مقاومة التحديات هي التي تكشف الطاقات الكامنة في النفس. فالراحة المستمرة قد تمنح الطمأنينة، لكنها لا تصنع شخصية قوية، بينما تترك التجارب الصعبة أثرًا عميقًا في طريقة التفكير والنظر إلى الحياة.
ومن الأخطاء الشائعة أن الإنسان ينتظر زوال الخوف قبل أن يبدأ، مع أن التجربة تثبت أن الخوف لا يختفي غالبًا إلا بعد الفعل. فالشجاعة ليست غياب الخوف، وإنما القدرة على العمل رغم وجوده. ولهذا نجد أن كثيرًا من العلماء والمبدعين اعترفوا بأنهم كانوا يشعرون بالشك والقلق قبل نشر أعمالهم، لكنهم لم يجعلوا ذلك سببًا للتوقف.
إن الخوف من الفشل يصبح خطرًا حقيقيًا عندما يتحول إلى شلل فكري يمنع الإنسان من التجربة. فهناك من لا يبدأ مشروعًا خوفًا من خسارته، ولا يتعلم مهارة جديدة خوفًا من الخطأ، ولا يعبر عن رأيه خوفًا من النقد. وهكذا يعيش في منطقة آمنة ظاهريًا، لكنها تحرمه من النمو والتطور. إن أكثر ما يندم عليه الإنسان في نهاية حياته ليس المحاولات التي لم تنجح، بل الفرص التي لم يجرؤ على خوضها.
ومن هنا فإن علاج الخوف من الفشل لا يكون بإنكار وجوده، وإنما بإعادة تعريفه. فعندما يدرك الإنسان أن الخطأ جزء طبيعي من التعلم، وأن قيمته لا تتحدد بنتيجة واحدة، وأن كل تجربة تضيف إلى خبرته شيئًا جديدًا، يتحول الفشل من خصم إلى معلم. وعندئذٍ يصبح السؤال ليس: كيف أتجنب الفشل؟ بل: كيف أستفيد منه إذا وقع؟
وهذا هو الدرس الذي يقدمه التاريخ والعلوم معًا؛ فالإنسان لا ينمو في المساحات التي يخلو فيها من الأخطاء، بل في اللحظات التي يمتلك فيها الشجاعة ليواجه أخطاءه، ويفهمها، ويبدأ من جديد. ولذلك فإن الخوف من الفشل قد يكون طبيعيًا، لكن الاستسلام له هو الفشل الحقيقي، لأنه يحرم الإنسان من أعظم فرصة منحها الله له، وهي القدرة على التعلم والتغيير والنهوض بعد كل عثرة.
تليد..
تعليقات
إرسال تعليق