هل يحتاج الإنسان إلى العزلة.....؟

 إنه بسم الله الرحمن الرحيم وبعد :



(الفصل الثالث)


لماذا يخشى الإنسان العزلة؟

ليس غريبًا أن يبحث الإنسان عن الرفقة، فهو كائنٌ جُبل على الاجتماع، ولا تستقيم حياته بعيدًا عن الناس. ولكن الغريب حقًا أن يخاف لحظةً يقضيها مع نفسه، وكأنها خصمٌ يتربص به، لا رفيقٌ يمكن أن يرشده.

إن كثيرًا من الناس لا يهربون من العزلة لأنها مؤلمة، بل لأنهم يخشون ما قد تكشفه لهم. فحين ينقطع ضجيج العالم، تبدأ الأصوات التي طالما أخمدناها في الظهور؛ ذكرياتٌ لم تُحسم، وأخطاءٌ لم نعترف بها، وأسئلةٌ أجّلناها حتى ظننا أنها ماتت، وهي في الحقيقة كانت تنتظر أول لحظة صمت لتعود.

ولهذا أصبحت حياة الإنسان المعاصر مزدحمة على نحوٍ غير مسبوق. فهو لا يحتمل الانتظار دون أن يخرج هاتفه، ولا يجلس دقائق في هدوء إلا ويبحث عن صوتٍ يملأ الفراغ. وكأن الفراغ صار عدوًا يجب القضاء عليه، لا مساحةً يمكن أن تنمو فيها النفس.

وقد كتب الراهب والمفكر الأمريكي توماس ميرتون:

«لا يستطيع الإنسان أن يجد نفسه إذا ظل هاربًا منها.»

وهذه العبارة لا تتحدث عن مكان، بل عن موقفٍ من الحياة. فالإنسان قد يسافر آلاف الكيلومترات، ويبدل عمله، ويغيّر مدينته، ويحيط نفسه بعشرات الوجوه، ثم يكتشف أن ما كان يهرب منه لم يكن العالم، بل ذاته.

إن الهروب من العزلة ليس هروبًا من الصمت، وإنما هروب من الحقيقة.

والحقيقة ليست دائمًا مريحة. فقد يكتشف الإنسان أنه يعيش حياةً لا يحبها، أو يعمل في طريقٍ لم يختره، أو يطارد أهدافًا فرضها المجتمع عليه حتى ظنها أحلامه الشخصية. وهذه الاكتشافات مؤلمة، لكنها بداية كل تغيير صادق.

ولهذا قال المفكر الروسي ليف تولستوي:

«كل إنسان يفكر في تغيير العالم، وقليلون يفكرون في تغيير أنفسهم.»

ولعل السبب أن تغيير النفس أصعب من تغيير الظروف؛ لأنه يتطلب مواجهةً لا يستطيع أحد أن يخوضها نيابةً عنك. ففي العزلة تسقط الأعذار، ويختفي التصفيق، ولا يبقى إلا الإنسان أمام ضميره.

ومن أعظم ما قيل في هذا المعنى ما رُوي عن الخليفة الراشد عمر بن الخطاب رضي الله عنه:

«حاسِبوا أنفسكم قبل أن تُحاسَبوا، وزِنوا أعمالكم قبل أن تُوزَن عليكم.»

وهذه المحاسبة لا تزدهر في ضجيج المجالس، وإنما تحتاج إلى خلوةٍ صادقة، يراجع فيها الإنسان أقواله وأفعاله، لا طلبًا لجلد الذات، بل رغبةً في إصلاحها.

غير أن الخوف من العزلة قد يكون مفهومًا إذا تحولت إلى سجن. فالعزلة التي تقود إلى التأمل غير العزلة التي تقود إلى اجترار الأحزان. الأولى تُنير العقل، والثانية تُثقله. الأولى تجعل الإنسان يعود إلى الناس أكثر رحمةً واتزانًا، أما الثانية فتقطع الجسور بينه وبين الحياة.

ولهذا لم يدعُ الحكماء إلى اعتزال الناس دائمًا، بل إلى الاعتدال. فالإنسان يحتاج إلى المجتمع كما تحتاج الشجرة إلى التربة، لكنه يحتاج أيضًا إلى لحظات ينفرد فيها بنفسه، كما تحتاج الشجرة إلى ضوء الشمس الذي لا تحجبه الأشجار الأخرى.

ويقول المفكر الأمريكي باركر بالمر:

«العزلة ليست غياب الآخرين، بل حضور الذات.»

وهذه العبارة تختصر جوهر المقال كله؛ فالعزلة ليست فراغًا، بل امتلاء. إنها ليست انسحابًا من الحياة، بل اقترابٌ من معناها. وما دام الإنسان لا يعرف نفسه، فإنه سيظل يبحث عنها في أعين الآخرين، ولن يجدها.

وهنا يبرز سؤال لا يقل أهمية عن كل ما سبق:

إذا كانت العزلة تمنح الإنسان وضوحًا، فلماذا يعود كثيرون منها أكثر حكمة، بينما يعود آخرون أكثر اضطرابًا؟

إن الجواب لا يتعلق بالعزلة نفسها، وإنما بما يحمله الإنسان إليها. فالعزلة تشبه المرآة؛ لا تصنع الوجه، لكنها تكشفه. فمن دخلها طالبًا للحق، خرج ببصيرة أوسع. ومن دخلها أسيرًا لأوهامه، خرج وهو يحمل أوهامه معه، ولكن في مكان أكثر هدوءًا.

ولهذا فإن العزلة لا تغيّر الإنسان من تلقاء نفسها، وإنما تمنحه فرصةً نادرة ليتغير إن أراد. إنها باب، وليست طريقًا؛ وأداة، وليست غاية؛ وميدان يلتقي فيه العقل بالقلب، والإنسان بنفسه، بعيدًا عن كل ما يشغله عنهما.






                                                                                                تليد..

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة