هل يحتاج الإنسان إلى العزلة........؟

إنه بسم الله الرحمن الرحيم وبعد :


(الفصل الرابع)

العزلة في ميزان الدين والفلسفة... هل هي فضيلة أم استثناء؟

لو كانت العزلة خيرًا مطلقًا، لترك الناس بعضهم بعضًا، ولما قامت حضارة، ولا ازدهر علم، ولا استقامت أسرة. ولو كانت شرًا مطلقًا، لما اختارها الأنبياء، ولا التجأ إليها الحكماء، ولا جعلها العلماء بابًا لمراجعة النفس وإصلاحها.

ولهذا فإن السؤال لم يكن يومًا: هل العزلة خير أم شر؟ وإنما كان: متى تكون العزلة حكمة، ومتى تتحول إلى هروب؟

لقد أدركت الرسالات السماوية أن الإنسان لا يستطيع أن يحيا بمعزل عن مجتمعه، لأنه خُلق ليعمر الأرض، ويتعاون مع غيره، ويقيم العدل، ويؤدي الحقوق. ومع ذلك، لم تُغفل حاجته إلى الخلوة، لأن القلب إذا لم يجد وقتًا يراجع فيه نفسه، تبلدت بصيرته، وغلبته عاداته.

ولعل أعظم مثال على ذلك أن النبي محمد ﷺ كان يتحنث في غار حراء قبل البعثة، يخلو بنفسه بعيدًا عن صخب مكة وضجيجها، يتأمل في الكون، ويتفكر في حال الناس، حتى جاءه الوحي. ولم تكن تلك الخلوة هروبًا من المجتمع، وإنما كانت إعدادًا للعودة إليه برسالة تغيّر مجرى التاريخ.

إن العزلة التي تثمر مسؤوليةً تجاه الناس، تختلف عن العزلة التي تنشأ من اليأس منهم.

وقد أشار الإمام أبو حامد الغزالي في كتابه إحياء علوم الدين إلى أن الخلوة قد تكون نافعة إذا أعانت الإنسان على تزكية نفسه، لكنه لم يجعلها أصلًا دائمًا، بل رأى أن مخالطة الناس تكون أفضل إذا ترتب عليها تعليم، أو إصلاح، أو نفع. فالمعيار عنده ليس القرب من الناس أو البعد عنهم، وإنما ما يقرب الإنسان من الحق، ويزيده صلاحًا.

وفي التراث المسيحي، كتب اللاهوتي الألماني ديتريش بونهوفر عبارة دقيقة قال فيها:

«من لا يستطيع أن يكون وحده، فليحذر الجماعة، ومن لا يستطيع أن يكون مع الجماعة، فليحذر العزلة.»

وهي من أعمق ما قيل في هذا الباب؛ لأنها ترفض الطرفين معًا. فالإنسان الذي لا يحتمل الوحدة يبقى معتمدًا على الآخرين في كل شيء، والإنسان الذي لا يحتمل الناس يفقد جزءًا من إنسانيته، لأن الأخلاق لا تُختبر في الخلوة وحدها، بل في التعامل مع البشر.

أما الفلسفة، فقد نظرت إلى العزلة بوصفها مختبرًا للعقل.

فقد كتب الفيلسوف الألماني آرثر شوبنهاور:

«لا يستطيع الإنسان أن يكون على طبيعته إلا إذا كان وحده.»

ولم يكن يقصد أن الناس يمنعون الإنسان من أن يكون صادقًا، بل أن كثرة المخالطة تدفعه، أحيانًا، إلى ارتداء أقنعة لا يشعر بها؛ فيجامل، ويخفي، ويتكيف، حتى ينسى ملامحه الأصلية. فإذا خلا بنفسه، سقطت تلك الأقنعة، وظهر وجهه الحقيقي.

لكن شوبنهاور نفسه كان يميل إلى التشاؤم في نظرته إلى العلاقات الإنسانية، بينما تكشف الحياة أن الإنسان لا يكتمل بنفسه وحدها. فهو يحتاج إلى العزلة ليعرف نفسه، لكنه يحتاج إلى الناس ليختبر هذه المعرفة.

فما قيمة الصبر إذا لم يوجد من يختبره؟ وما قيمة الرحمة إذا لم يجد الإنسان من يرحمه؟ وما قيمة العفو إذا لم يقع عليه ظلم؟ إن الفضائل لا تنمو في الفراغ، وإنما تتجلى في الحياة المشتركة.

ولهذا لم يكن الحكماء يدعون إلى الانقطاع عن العالم، بل إلى التحرر من هيمنته. فالفرق كبير بين أن يعيش الإنسان مع الناس، وبين أن يعيش أسيرًا لآرائهم. وقد يعتزل إنسان المجتمع سنوات، لكنه يبقى سجينًا لما يقوله عنه الناس. وقد يعيش آخر بينهم كل يوم، لكنه يحافظ على استقلال فكره وطمأنينة قلبه.

إن العزلة الحقيقية ليست أن تغلق باب غرفتك، وإنما أن تفتح باب عقلك دون خوف، وأن تمتلك الشجاعة لتراجع أفكارك، وتعترف بأخطائك، وتغير ما يستحق التغيير.

ومن هنا نستطيع أن نقول إن الدين والفلسفة، على اختلاف طرائقهما، التقيا عند حقيقة واحدة: العزلة ليست غاية، وإنما وسيلة. فإن أعادت الإنسان إلى المجتمع أكثر رحمةً، وأصدق خلقًا، وأوسع فهمًا، فقد أدت رسالتها. أما إذا أورثته كبرًا، أو احتقارًا للناس، أو قطيعةً دائمة، فقد انحرفت عن مقصدها.

وهكذا، فإن قيمة العزلة لا تُقاس بعدد الأيام التي يقضيها الإنسان منفردًا، وإنما بما يعود به منها. فقد يرجع بعقل أكثر صفاءً، أو بقلب أكثر خشوعًا، أو برؤية أكثر نضجًا. وعندئذ فقط تصبح العزلة مدرسةً للحكمة، لا مجرد مكان يخلو فيه الإنسان بنفسه.




                                                                             تليد..

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة