هل يحتاج الإنسان إلى العزلة...........؟
إنه بسم الله الرحمن الرحيم وبعد :
متى تصبح العزلة مرضًا؟ وكيف يميّز الإنسان بين الخلوة التي تبنيه، والوحدة التي تهدمه؟
لكل فضيلةٍ حدٌ إذا تجاوزته انقلبت إلى ضدها. فالشجاعة إذا جاوزت الاعتدال أصبحت تهورًا، والكرم إذا فقد ميزانه صار تبذيرًا، وكذلك العزلة؛ فهي في موضعها حكمة، وفي غير موضعها قد تتحول إلى قيدٍ يضيق به الإنسان حتى يختنق.
ولعل أكثر الأخطاء شيوعًا هو الاعتقاد بأن كل من اعتزل الناس حكيم، أو أن كثرة الصمت دليل على عمق الفكر. والحقيقة أن العزلة، شأنها شأن أي وسيلة، تكتسب قيمتها من الغاية التي تُقصد بها. فقد تكون بابًا إلى صفاء النفس، وقد تكون ستارًا يختبئ خلفه الخوف، أو اليأس، أو العجز عن مواجهة الحياة.
إن الإنسان قد يختار العزلة لأنه يريد أن يفهم نفسه، وقد يختارها لأنه لم يعد يثق بأحد، والفرق بين الحالتين كالفرق بين من يغلق باب بيته ليستريح، ومن يغلقه لأنه يخشى العالم كله.
ولهذا كتب الفيلسوف الإسباني خوسيه أورتيغا إي غاسيت:
«الحياة تُفهم من الداخل، لكنها لا تُعاش إلا مع الآخرين.»
وهذه العبارة ترسم حدًا دقيقًا بين التأمل والانقطاع. فالفهم يبدأ من الداخل، أما الحياة فلا تستقيم إذا انقطعت كل جسورها مع الناس. فالإنسان لا يكتشف أخلاقه وهو وحده، بل يكتشفها حين يعامل الآخرين، ويصبر عليهم، ويعفو عنهم، ويختلف معهم، ويتعاون معهم.
ولهذا كانت العزلة الدائمة خروجًا عن طبيعة الإنسان، لأنه خُلق ليأنس، ويتعلم، ويعلّم، ويؤثر، ويتأثر.
ومن أعظم الأخطاء أن يظن المرء أن خيبةً واحدة تكفي للحكم على البشر جميعًا. فقد يخونه صديق، فيقرر أن يعتزل الناس. وقد يفشل في علاقة، فيقتنع أن القرب من الآخرين لا يجلب إلا الألم. غير أن التجارب، مهما كانت قاسية، لا تمنح الإنسان الحق في إصدار أحكام مطلقة على الحياة.
إن الحكمة لا تقول: "ابتعد عن الناس"، وإنما تقول: "اخترهم بعناية."
وفي التراث الإسلامي، قال الإمام سفيان الثوري:
«خالط الناس، فإذا رأيت منهم ما تكره، فاعتزل أذاهم، لا ذواتهم.»
وهذه حكمة بالغة؛ لأنها تفرّق بين الابتعاد عن الشر، والابتعاد عن البشر. فالإنسان لا يطلب السلامة بهجر الناس جميعًا، وإنما بحسن اختيار من يصاحب، وبالقدرة على وضع الحدود التي تحفظ كرامته وطمأنينته.
ولعل أخطر ما تفعله العزلة إذا انحرفت عن مقصدها، أنها تجعل الإنسان أسيرًا لصوتٍ واحد، هو صوته. وحين لا يسمع إلا نفسه، قد يظن أن كل ما يراه حق، وأن كل ما يعتقده صواب، لأنه لم يعد يجد من يناقشه، أو يصحح له، أو يكشف له ما غاب عنه.
إن العقل، مهما بلغ من النضج، يحتاج إلى من يختبر أفكاره. فالحوار ليس خصمًا للتأمل، بل مكملٌ له. وما يصل إليه الإنسان في خلوته، تمتحنه الحياة بين الناس.
وقد قال الكاتب البريطاني سي. إس. لويس:
«الصداقة لا تنشأ حين يقول أحدهم للآخر: أنت أيضًا؟ كنت أظن أنني وحدي.»
وفي هذه الكلمات معنى عميق؛ فالإنسان لا يشفى دائمًا بالعزلة، بل قد يشفى حين يكتشف أن آلامه ليست حكرًا عليه، وأن هناك من يفهمه، ويشاركه، ويعينه على تجاوز محنته.
وهكذا يتبين أن العزلة ليست دواءً لكل داء، كما أنها ليست خطرًا في كل حال. إنها تشبه الدواء الذي يصفه الطبيب؛ ينفع إذا أُخذ بقدره، ويضر إذا أسيء استعماله.
فإذا جعلت الإنسان أكثر صفاءً، وأكثر رحمةً، وأكثر قدرةً على خدمة الناس، فهي عزلة مباركة.
أما إذا أورثته احتقار الآخرين، أو الانغلاق، أو القطيعة، أو اليأس، فقد خرجت من كونها خلوةً إلى كونها سجنًا.
ولهذا لا ينبغي أن يكون السؤال: كم مرة أعتزل الناس؟
بل ينبغي أن يكون: أيُّ إنسان أعود إليه بعد العزلة؟
فإن عدت أكثر حلمًا، فقد ربحت. وإن عدت أكثر تواضعًا، فقد نضجت. وإن عدت تحمل في قلبك نورًا تهدي به غيرك، فقد أدركت المعنى الحقيقي للعزلة.
أما إذا خرجت منها وأنت أشد غضبًا، وأضيق صدرًا، وأقسى قلبًا، فاعلم أنك لم تكن في عزلةٍ تبنيك، بل في وحدةٍ كانت تهدمك بصمت.
تعليقات
إرسال تعليق