هل يحتاج الإنسان إلى العزلة...............؟

 إنه بسم الله الرحمن الرحيم وبعد :



(الفصل السادس والأخير)



الإنسان لا يحتاج إلى العزلة ليهرب من الناس... بل ليعود إليهم إنسانًا أفضل

بعد هذا التأمل الطويل، يتبين أن السؤال لم يكن يومًا: هل يحتاج الإنسان إلى العزلة؟ بل كان: كيف يستخدمها؟

فالعزلة، في جوهرها، ليست فضيلة تُطلب لذاتها، ولا رذيلة ينبغي الفرار منها، وإنما هي وسيلة، شأنها شأن العلم والمال والقوة؛ ترتفع قيمتها أو تنخفض بحسب الغاية التي تقود إليها.

إن الإنسان لا يولد مكتملًا، بل يقضي عمره كله في إعادة اكتشاف نفسه. وفي هذا الاكتشاف يحتاج أحيانًا إلى الناس، لأنهم مرآة يرى فيها أخلاقه، ويحتاج أحيانًا إلى الخلوة، لأنها المرآة التي يرى فيها قلبه.

فمن عاش بين الناس دائمًا، قد يفقد صوته وسط أصواتهم، ومن عاش بعيدًا عنهم دائمًا، قد يفقد إنسانيته التي لا تكتمل إلا بالتواصل والعطاء.

ولهذا كانت الحياة الحكيمة أشبه بحركة المد والجزر؛ اقترابٌ يعلّم الإنسان معنى المشاركة، وابتعادٌ يعلمه معنى التأمل، ثم عودةٌ إلى الحياة بقلبٍ أكثر اتزانًا وعقلٍ أكثر بصيرة.

قال الأديب اللبناني ميخائيل نعيمة:

«خيرٌ للإنسان أن يجلس ساعةً مع نفسه، من أن يقضي أيامًا وهو غريب عنها.»

وهذه العبارة لا تمجد الانفراد، وإنما تذكّر بأن الإنسان قد يعرف أسماء آلاف البشر، بينما يبقى عاجزًا عن معرفة الشخص الذي يرافقه منذ ولادته وحتى موته؛ نفسه.

ومن أعمق ما كُتب في هذا المعنى ما قاله المفكر الألماني رومانو غوارديني:

«لا يستطيع الإنسان أن يمنح العالم شيئًا حقيقيًا إذا لم يمتلك عالمًا داخليًا.»

فالعطاء لا يبدأ من اليد، بل من القلب. والكلمة الصادقة لا تخرج من لسانٍ اعتاد الكلام، بل من نفسٍ اعتادت التأمل. ولهذا فإن كل عمل عظيم في التاريخ كان يسبقه غالبًا زمنٌ من الصمت، وكل فكرة خالدة كانت تولد أولًا في عقلٍ اختلى بنفسه قبل أن يشارك بها العالم.

غير أن العزلة لا ينبغي أن تتحول إلى إقامةٍ دائمة. فالسفينة تُصنع في الميناء، لكنها لا تُصنع لتبقى فيه. وكذلك الإنسان؛ يحتاج إلى لحظاتٍ ينسحب فيها من ضجيج الحياة ليصلح قلبه، ويهذب فكره، ويعيد ترتيب أولوياته، لكنه خُلق في النهاية ليعود إلى الناس، فيخفف آلامهم، وينشر علمه، ويؤدي رسالته.

ولعل أجمل العزلات هي تلك التي لا تجعل صاحبها يزدري الناس، بل تزيده رحمةً بهم؛ لأنها تكشف له أن كل إنسان يحمل معركةً لا يراها أحد، وأن القلوب أكثر تعبًا مما توحي به الوجوه، وأن اللطف ليس ترفًا، بل ضرورة في عالمٍ يجهل كل واحدٍ فيه ما يعانيه الآخر.

إن العزلة الحقيقية لا تُقاس بعدد الأيام التي يقضيها الإنسان وحده، وإنما بما يتغير في داخله خلالها. فقد يخلو بنفسه ساعةً واحدة، فتتبدل نظرته إلى الحياة، وقد يعيش أعوامًا في وحدةٍ كاملة، فلا يزداد إلا قسوةً وانغلاقًا.

ولهذا فإن العزلة ليست مكانًا، بل حالة من الصدق. إنها اللحظة التي يسقط فيها القناع، ويصمت التصفيق، ويغيب تأثير الجمهور، فلا يبقى أمام الإنسان إلا سؤال واحد:

من أكون إذا لم يكن هناك أحد ينظر إليّ؟

ذلك السؤال هو بداية المعرفة، لأن أكثر الناس يعرفون كيف يبدون أمام الآخرين، لكن قليلًا منهم يعرفون حقيقتهم حين لا يراهم أحد.

وفي النهاية، ربما لا يحتاج الإنسان إلى العزلة لأنه يكره العالم، بل لأنه يريد أن يعود إليه بعينٍ أكثر صفاءً، وقلبٍ أكثر رحمةً، وعقلٍ أكثر اتزانًا. فالعزلة التي تعيد الإنسان إلى الناس إنسانًا أفضل هي نعمة، أما العزلة التي تقطعه عنهم فهي خسارة، مهما بدت في ظاهرها راحة.

ويبقى الإنسان، طوال حياته، يمشي بين بابين: بابٍ يفضي إلى الناس، وبابٍ يفضي إلى نفسه. وليس الحكيم من يغلق أحدهما، بل من يعرف متى يطرق هذا، ومتى يعود إلى ذاك. فبين هذين البابين تنضج الشخصية، وتصفو الروح، ويكتمل الإنسان.


المراجع

  • القرآن الكريم.
  • إحياء علوم الدين – أبو حامد الغزالي.
  • صيد الخاطر – ابن الجوزي.
  • Meditations – Marcus Aurelius (للمقارنة في فلسفة التأمل الداخلي).
  • Walden – Henry David Thoreau.
  • Pensées – Blaise Pascal.
  • The Cost of Discipleship – Dietrich Bonhoeffer.
  • No Man Is an Island – Thomas Merton.
  • The Courage to Be – Paul Tillich.



النتيجة:

العزلة ليست غاية، وإنما وسيلة لإصلاح النفس والعودة إلى المجتمع بوعيٍ أعمق وإنسانيةٍ أوسع.




                                                                                             تليد..


تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة