هل النضج هبة الزمن... أم ثمرة المعاناة؟

 أنه بسم الله الرحمن الرحيم وبعد :


(الفصل الأول)


يمر الزمن على الجميع، لكنه لا يترك الأثر نفسه في الجميع. فهناك من يتقدم في العمر، بينما يبقى أسير انفعالاته الأولى، تحركه رغباته كما كانت في شبابه، وتغلبه غضبة عابرة أو كلمة قاسية كما لو أنه لم يعش من الحياة إلا أيامها الأولى. وفي المقابل، نجد من لم يبلغ من العمر إلا سنوات قليلة، لكنه يتحدث بوقار التجربة، ويزن الأمور بحكمة من عبروا عقودًا طويلة.

وهنا يفرض السؤال نفسه:

هل النضج هدية يمنحها الزمن لكل من طال به العمر؟ أم أنه ثمرة تنبت في تربة المعاناة والتجارب والوعي؟

قد يبدو الجواب لأول وهلة بسيطًا؛ فكلما تقدم الإنسان في السن ازداد نضجًا. لكن التاريخ، وعلم النفس، والفلسفة، وحتى واقعنا اليومي، تكشف أن العمر وحده لا يصنع إنسانًا ناضجًا، كما أن كثرة السنين ليست دليلًا على كثرة الحكمة.

فكم من شيخٍ لا يزال يخاصم لأتفه الأسباب، ويغضب إن خالفه أحد، ويعجز عن الاعتراف بخطئه، وكأن الزمن مرّ بجسده ولم يمر بعقله.

وفي المقابل، كم من شابٍ صقلته التجارب حتى صار أكثر اتزانًا، وأهدأ حكمًا، وأوسع فهمًا للحياة.

فلو كان الزمن وحده يصنع النضج، لكان كل كبار السن حكماء، ولما عرف التاريخ شيوخًا قادوا أممًا إلى الحروب بدافع الكبر أو الطمع، ولما رأينا شبابًا غيّروا مجرى التاريخ بعقول تجاوزت أعمارهم.

إن الزمن لا يمنح الإنسان النضج، بل يمنحه الفرصة للنضج.

أما النتيجة، فتتوقف على الطريقة التي يعيش بها تلك السنوات.

وهنا تبدأ الرحلة الحقيقية، لأن النضج لا يُقاس بعدد الأعوام التي مرت، بل بعدد المرات التي أعاد فيها الإنسان النظر إلى نفسه، وتعلّم من أخطائه، وخرج من كل تجربة بفهمٍ أعمق مما دخل به.

وربما لهذا السبب لم يتفق الفلاسفة على تعريف واحد للنضج، لكنهم اتفقوا على أنه لا يولد مع الإنسان، ولا يُشترى، ولا يُورث، بل يُبنى ببطء، طبقةً فوق طبقة، حتى يصبح جزءًا من شخصيته.

لكن يبقى السؤال الأصعب...

إذا لم يكن الزمن وحده كافيًا، فهل المعاناة هي الطريق الوحيد إلى النضج؟ أم أن الإنسان يستطيع أن يبلغ الحكمة دون أن يدفع ثمنها من ألمه؟



كيف فهم الفلاسفة النضج؟

منذ أن بدأ الإنسان يتأمل نفسه، لم يكن النضج في نظر الفلاسفة مرتبطًا بعدد السنوات، بل بالطريقة التي يعيش بها الإنسان تلك السنوات. فالزمن يغيّر الملامح، لكنه لا يغيّر العقول ما لم يكن مصحوبًا بالتأمل والتجربة ومراجعة الذات.

ولهذا لم يسأل الفلاسفة: كم عاش الإنسان؟ بل سألوا: كيف عاش؟ وماذا تعلّم؟

لقد رأى الفيلسوف اليوناني أرسطو أن الفضيلة لا تُولد مع الإنسان، بل تُكتسب بالممارسة المستمرة. فالإنسان لا يصبح عادلًا لأنه يحب العدل، ولا شجاعًا لأنه يتمنى الشجاعة، بل لأنه يكرر الأفعال التي تصنع هذه الصفات حتى تصبح جزءًا من شخصيته. ومن هذا المنطلق، لم يكن النضج عنده لحظةً مفاجئة، بل عادةً تُبنى يومًا بعد يوم.

أما إبكتيتوس، أحد أبرز فلاسفة المدرسة الرواقية، فقد نظر إلى النضج من زاوية مختلفة. كان يرى أن الإنسان لا ينضج عندما تصبح حياته سهلة، بل عندما يتعلم التمييز بين ما يملكه وما لا يملكه. فهناك أمور تقع تحت إرادتنا؛ كأفكارنا، وقراراتنا، وأخلاقنا، وهناك أمور لا سلطان لنا عليها؛ كأفعال الآخرين، وتقلبات الزمن، والمصائب التي قد تحل بنا. ومن يخلط بين هذين المجالين، يظل أسير القلق مهما تقدم في العمر.

ولذلك كتب في «الدليل» (Enchiridion):

«ليست الأشياء هي التي تزعج الناس، بل آراؤهم عن تلك الأشياء.»

وفي القرن الثامن عشر، قدّم الفيلسوف الألماني إيمانويل كانط تصورًا مختلفًا للنضج، إذ ربطه بالاستقلال الفكري. ففي مقالته الشهيرة «ما التنوير؟» كتب:

«التنوير هو خروج الإنسان من حالة القصور التي اقترفها في حق نفسه.»

ولم يقصد بالقصور نقص الذكاء، بل الاعتماد على الآخرين في التفكير واتخاذ المواقف. فالإنسان، في نظر كانط، لا ينضج عندما يعرف معلومات أكثر، بل عندما يمتلك الشجاعة ليستخدم عقله بنفسه، حتى لو خالف ما اعتاده الناس.

أما فريدريك نيتشه، فقد رأى أن النضج لا يتحقق إلا عندما يتوقف الإنسان عن تحميل العالم مسؤولية حياته. فالحياة، في نظره، ليست عادلة دائمًا، ولا تعد أحدًا بالسعادة، ولذلك فإن الإنسان الناضج هو الذي يتحمل مسؤولية وجوده، ويصنع معنى لحياته رغم ما فيها من ألم واضطراب.

وعلى اختلاف هؤلاء الفلاسفة، فإن بينهم خيطًا مشتركًا لا يكاد يخفى:

النضج ليس هبة يمنحها العمر، بل إنجاز يحققه الإنسان.

فالسنوات قد تمنح الخبرة، لكنها لا تضمن الحكمة. والتجارب قد تفتح أبواب الفهم، لكنها لا تُجبر الإنسان على التعلم منها. ولهذا قد يعيش شخصان العمر نفسه، ويخوضان الأحداث نفسها، ثم يخرج أحدهما أكثر حكمة، بينما يخرج الآخر أكثر مرارة.

وهنا يبرز سؤال جديد:

إذا كان الزمن وحده لا يصنع النضج، فهل تكون المعاناة هي المدرسة التي يتخرج منها الحكماء؟ أم أن الألم قد يهدم الإنسان بدلًا من أن يبنيه؟ وهذا ما حاول علم النفس الحديث الإجابة عنه، بعد قرون من التأمل الفلسفي.



                                                                          تليد..

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة