هل النضج هبة الزمن... أم ثمرة المعاناة.....؟

 إنه بسم الله الرحمن الرحيم وبعد :


(الفصل الثاني)

هل المعاناة هي المدرسة التي يتخرج منها الحكماء؟

يكاد الإنسان لا ينسى الدروس التي تعلمها من الألم، بينما ينسى كثيرًا مما تعلمه في أوقات الراحة. ولهذا اعتقد كثير من الفلاسفة والشعراء أن المعاناة هي الطريق الأقصر إلى الحكمة، وأن النفس لا ترى حقيقتها كاملة إلا بعد أن تنكسر بعض أوهامها.

لكن، هل هذا الاعتقاد صحيح دائمًا؟

لو كانت المعاناة وحدها تصنع النضج، لكان كل من ذاق الألم حكيمًا، وكل من عاش المحن أكثر اتزانًا ورحمة. غير أن الواقع يخبرنا بشيء مختلف؛ فهناك من خرج من معاناته أكثر صبرًا وإنسانية، وهناك من خرج منها أكثر قسوةً وتشاؤمًا وغضبًا.

إذن، المشكلة ليست في المعاناة نفسها، بل في كيفية استجابة الإنسان لها.

فالمعاناة تشبه النار؛ يمكنها أن تصهر الحديد فيصبح أصلب، ويمكنها أيضًا أن تحوله إلى رماد إذا تجاوزت حدّه. وهي لا تمنح الجميع النتيجة نفسها، لأن النفوس تختلف في قدرتها على الفهم، والتأمل، وتحويل الألم إلى معنى.

ولهذا كتب الطبيب النفسي فيكتور فرانكل، الذي عاش تجربة الاعتقال في معسكرات النازية:

«إذا كان للحياة معنى، فلا بد أن يكون للمعاناة معنى أيضًا.»

لم يكن فرانكل يمجّد الألم، بل كان يرى أن الإنسان يستطيع أن يحوّل أقسى التجارب إلى نقطة انطلاق، إذا استطاع أن يجد فيها معنى يتجاوز مجرد المعاناة.

وهنا يكمن الفرق بين من يعيش الألم، ومن يتعلم منه.


ما الذي يفعله الألم بالعقل؟

تشير دراسات علم النفس إلى أن التجارب الصعبة قد تدفع الإنسان إلى إعادة النظر في كثير من قناعاته، وأن بعض الأشخاص يمرون بما يسمى النمو التالي للصدمة (Post-Traumatic Growth).

وهو مفهوم يصف التغيرات الإيجابية التي قد تطرأ على الإنسان بعد تجاوز محنة كبيرة، مثل ازدياد تقديره للحياة، وتحسن علاقاته بالآخرين، وارتفاع إحساسه بالمسؤولية، واكتشافه لقوة داخلية لم يكن يعلم بوجودها.

لكن هذا النمو ليس نتيجة تلقائية للألم.

إنه نتيجة للتأمل في الألم.

فالحدث وحده لا يصنع النضج، وإنما الطريقة التي يفسر بها الإنسان ذلك الحدث، والقرارات التي يتخذها بعده.

ولهذا قد يمر شخصان بالتجربة نفسها، فيخرج أحدهما أكثر حكمة، بينما يخرج الآخر أسيرًا للماضي.


النضج يبدأ عندما يتحول السؤال

في بداية الحياة، يسأل الإنسان:

لماذا حدث هذا لي؟

ثم، إذا بدأ ينضج، يتحول السؤال تدريجيًا إلى:

ماذا يمكن أن أتعلم مما حدث؟

إن الفرق بين السؤالين ليس فرقًا في الكلمات، بل في طريقة النظر إلى الحياة.

فالسؤال الأول يبحث عن متهم.

أما الثاني، فيبحث عن معنى.

والإنسان الذي يظل أسير السؤال الأول قد يبقى حبيس الماضي سنوات طويلة، بينما الذي ينتقل إلى السؤال الثاني يبدأ في استعادة زمام حياته.

وربما لهذا لا تكون الحكمة هي أن نتجنب المعاناة، فهذا ليس ممكنًا دائمًا، بل أن نمنع المعاناة من أن تسرق إنسانيتنا.

فالألم قد يغيّر الإنسان، لكن النضج الحقيقي هو أن يغيّره نحو الأفضل، لا أن يحوّله إلى نسخة من الجراح التي عاشها.




                                                                              تليد..

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة