هل الثبات على المبدأ فضيلة دائمًا؟

إنه بسم الله الرحمن الرحيم وبعد :



(الفصل الثاني والأخير)

متى يكون التمسك بالمبدأ فضيلة؟

إذا كان الثبات على المبدأ ليس فضيلةً في كل الأحوال، فهل يعني ذلك أن على الإنسان أن يغيّر مبادئه كلما تبدلت الظروف؟

بالطبع لا.

فالمبادئ لم تُخلق لتكون زينة فكرية يرفعها الإنسان في أوقات الرخاء، ثم يتخلى عنها عند أول اختبار. وإنما تظهر قيمتها الحقيقية عندما يصبح الالتزام بها مكلفًا.

فالصدق لا يُختبر عندما تكون الحقيقة في صالحنا، بل عندما يكون الكذب طريقًا أسهل.

والعدل لا يُختبر عندما يخدم مصالحنا، بل عندما يقتضي أن نعترف بحق من نختلف معه.

والأمانة لا تُقاس في الأشياء الصغيرة، وإنما حين يكون الإنسان قادرًا على الخيانة دون أن يراه أحد.

ولهذا، فإن المبدأ الحقيقي لا يحتاج إلى جمهور يصفق له، ولا إلى قوانين تجبر صاحبه على الالتزام به، لأنه ينبع من الضمير قبل أن يخضع للرقابة.

وقد عبّر الفيلسوف الألماني إيمانويل كانط عن هذه الفكرة حين رأى أن القيمة الأخلاقية للفعل لا تُقاس بنتيجته، وإنما بالدافع الأخلاقي الذي صدر عنه. فالإنسان لا يكون صادقًا لأنه يخشى العقوبة، بل لأنه يرى الصدق واجبًا في ذاته.

ومن هنا، يصبح الثبات على المبدأ فضيلة عندما يحفظ كرامة الإنسان، ويمنع الظلم، ويقاوم الإغراء، ويظل وفيًّا للقيم الأخلاقية التي لا تتغير بتغير المصالح.


ومتى يصبح الثبات جمودًا؟

في المقابل، هناك نوع من الثبات لا علاقة له بالشجاعة.

إنه الثبات الذي يرفض الإنصات، ويرى أن الاعتراف بالخطأ هزيمة، وأن مراجعة الأفكار ضعف.

هذا ليس ثباتًا على المبدأ، بل ثبات على الصورة التي رسمها الإنسان لنفسه.

كم من شخص أصر على رأيه رغم وضوح الدليل، لا لأنه مقتنع، بل لأنه خشي أن يقول: "كنت مخطئًا."

وكم من إنسان خسر صديقًا، أو هدم علاقة، أو ظلم غيره، لأنه جعل الكبرياء مبدأ، والعناد فضيلة.

إن التاريخ يعلمنا أن الحضارات لا تنهار لأنها تتغير، بل لأنها ترفض التغير عندما يصبح التغيير ضرورة.

وكذلك الإنسان؛ فالعقل الذي لا يراجع نفسه، يتحول مع الزمن إلى غرفة مغلقة، لا يدخلها نور الحقيقة، مهما كان ساطعًا.

ولهذا، فإن الحكمة لا تعني أن تتمسك بكل ما تؤمن به، بل أن تمتلك الشجاعة لتمييز ما يجب أن يبقى، وما يجب أن يتغير.

فالمبادئ العظيمة لا تخاف المراجعة، لأنها تقوم على الحق، أما الأوهام فهي التي تحتاج دائمًا إلى التعصب حتى تستمر.



هل المبدأ يخدم الإنسان... أم يخدم الإنسان المبدأ؟

بعد كل هذا التأمل، يبدو أن السؤال لم يعد: هل الثبات على المبدأ فضيلة دائمًا؟ بل أصبح سؤالًا أكثر عمقًا:

ما المبدأ الذي يستحق أن نثبت عليه أصلًا؟

فليست كل فكرة مبدأ، وليست كل عادة تستحق الدفاع عنها، وليس كل ما ورثناه من آبائنا أو مجتمعنا حقيقةً لا تقبل المراجعة.

إن المبادئ العظيمة لا تُقاس بمدى صلابتها، وإنما بقدرتها على حفظ إنسانية الإنسان. فإذا تحول المبدأ إلى وسيلة لتبرير الظلم، أو إقصاء الآخرين، أو إغلاق باب التفكير، فقد فقد روحه، ولم يبق منه إلا اسمه.

ولهذا، فإن الإنسان الحكيم لا يبدّل مبادئه مع كل ريح، ولا يتشبث بها إذا ثبت أنها انحرفت عن غايتها. إنه يظل وفيًّا للقيم الكبرى؛ كالعدل، والرحمة، والصدق، والكرامة، لكنه يراجع فهمه لها كلما اتسعت معرفته، لأن الحقيقة أوسع من أن يحتكرها عقل واحد، أو جيل واحد.

وقد لخّص الفيلسوف كارل بوبر هذه الروح بقوله:

«قد أكون مخطئًا، وقد تكون أنت مصيبًا، وبالجهد قد نقترب من الحقيقة.»

في هذه الكلمات اعتراف نادر بأن البحث عن الحقيقة أهم من الانتصار للرأي، وأن الحوار الصادق لا يهدف إلى هزيمة الخصم، بل إلى الاقتراب من الصواب.

وهنا تتجلى المفارقة التي يغفل عنها كثير من الناس:

فالإنسان المبدئي ليس هو الذي لا يغيّر شيئًا أبدًا، بل هو الذي لا يبيع ضميره مهما تغير كل شيء.

قد يغيّر رأيه إذا ظهر له دليل أقوى.

وقد يغيّر وسيلته إذا وجد طريقًا أصلح.

وقد يغيّر اجتهاده إذا أدرك قصور فهمه.

لكنه لا يغيّر العدل إلى ظلم، ولا الأمانة إلى خيانة، ولا الصدق إلى نفاق، لأن هذه ليست آراءً قابلة للمساومة، بل قيمٌ تُبنى عليها كرامة الإنسان.

ولعل أعظم فضيلة ليست أن يبقى الإنسان ثابتًا على كل ما يؤمن به، بل أن يبقى ثابتًا على طلب الحق، حتى لو قاده ذلك إلى مراجعة نفسه، والاعتراف بخطئه، والتخلي عن أفكار أحبها طويلًا.

فمن السهل أن يدافع الإنسان عن رأيه.

لكن الأصعب، والأشرف، أن يدافع عن الحقيقة... حتى لو كانت ضد رأيه.

ويبقى السؤال مفتوحًا للقارئين ..


إذا تعارضت قناعتك مع الحقيقة، فأيهما ستختار؟




                                                                                 تليد ..

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة