هل كل سؤال يستحق أن يُطرح؟
إنه بسم الله الرحمن الرحيم وبعد :
هل كل سؤال يستحق أن يُطرح؟
يُقال إن الحضارات العظيمة لم تبدأ بإجابة، بل بدأت بسؤال.
فسؤال واحد عن حركة النجوم قاد إلى علم الفلك، وسؤال عن طبيعة المادة فتح أبواب الفيزياء، وسؤال عن معنى العدالة أنشأ الفلسفة السياسية، وسؤال عن الإنسان ولّد علوم النفس والاجتماع.
ولولا الأسئلة، لبقي الإنسان أسير ما ورثه من أفكار، يكررها دون أن يفحصها، ويؤمن بها دون أن يعرف لماذا يؤمن.
ولهذا كان السؤال، عبر التاريخ، أول خطوة في طريق المعرفة.
لكن...
إذا كانت الأسئلة هي التي دفعت الإنسان إلى اكتشاف العالم، فهل يعني ذلك أن كل سؤال يستحق أن يُطرح؟
وهل يكفي أن يكون الإنسان قادرًا على السؤال، حتى يكون سؤاله مشروعًا؟
قد يبدو الجواب لأول وهلة واضحًا؛ فالسؤال في نظر كثيرين دليل على الفضول و العقل، والبحث، والحرية. غير أن التاريخ يكشف لنا وجهًا آخر للقضية.
فليست كل الأسئلة قد وُلدت من رغبة صادقة في الوصول إلى الحقيقة.
فهناك سؤال يفتح بابًا للمعرفة، وسؤال يفتح بابًا للفتنة.
وهناك سؤال يقود إلى الحكمة، وآخر يقود إلى الجدل العقيم.
وهناك من يسأل لأنه يريد أن يفهم، وهناك من يسأل لأنه يريد أن ينتصر، أو يربك، أو يشكك، أو يلفت الأنظار.
ومن هنا، لا يعود السؤال فعلًا محايدًا، بل يصبح مرآةً تكشف نية صاحبه بقدر ما تكشف موضوعه.
لقد أدرك الفلاسفة منذ القدم أن السؤال ليس مجرد جملة تنتهي بعلامة استفهام، بل هو أداة يمكن أن تبني عقلًا، كما يمكن أن تهدمه.
فقد يكون السؤال بداية اكتشاف عظيم، وقد يكون بداية ضياع طويل.
ولذلك لم يكن الحكماء يهتمون بعدد الأسئلة التي يطرحها الإنسان، بقدر اهتمامهم بالسؤال الأهم:
لماذا تسأل؟
أتسأل لأنك تبحث عن الحقيقة؟
أم لأنك تبحث عما يؤكد ما تؤمن به؟
أتسأل لتتعلم؟
أم لتنتصر في نقاش؟
إن الفرق بين هذه الدوافع قد يكون هو الفرق بين عقل ينمو كل يوم، وعقل يدور في الحلقة نفسها سنوات طويلة.
وهكذا، فإن القضية ليست في قدرة الإنسان على طرح السؤال، بل في قدرته على اختيار السؤال الذي يستحق أن يُطرح، والذي يقوده خطوةً أقرب إلى الحقيقة، لا خطوةً أبعد عنها.
فهل توجد معايير تميز السؤال الحكيم من السؤال العقيم؟
وهل يمكن أن يكون بعض الأسئلة أخطر من الجهل نفسه؟
ذلك ما سنحاول استكشافه تاليًا ..\
السؤال الذي يبني... والسؤال الذي يهدم
ليست قيمة السؤال في غرابته، ولا في صعوبته، ولا في عدد الذين يعجزون عن الإجابة عنه.
إن قيمته الحقيقية تكمن في الغاية التي يقود إليها.
فقد يطرح طفل سؤالًا بسيطًا يفتح بابًا لعلم كامل، وقد يطرح عالم سؤالًا معقدًا لا يزيد الناس إلا حيرةً لأنه انطلق من مقدمة خاطئة أو من رغبة في الجدل لا في المعرفة.
ولهذا لم يكن الحكماء يمجّدون كثرة الأسئلة، بل كانوا يمجّدون حسن السؤال.
فالسؤال الحكيم لا يبحث عن الانتصار، بل عن الفهم.
ولا يهدف إلى هدم كل شيء، بل إلى بناء معرفة أكثر رسوخًا.
إنه يعترف باحتمال الخطأ، ويترك مساحة للإجابة أن تغيّر قناعة صاحبه.
أما السؤال العقيم، فهو غالبًا لا يريد جوابًا أصلًا.
إنه سؤال صيغ ليقود إلى نتيجة محددة سلفًا، أو ليوقع الطرف الآخر في التناقض، أو ليزرع الشك دون أن يسعى إلى الحقيقة.
ولهذا فإن أخطر الأسئلة ليست تلك التي لا نجد لها جوابًا، بل تلك التي لا يراد منها الوصول إلى جواب.
لماذا كانت الأسئلة بداية كل نهضة؟
لو تأملنا تاريخ الحضارات، لوجدنا أن كل اكتشاف عظيم بدأ بسؤال.
سأل الإنسان: لماذا تسقط الأشياء إلى الأرض؟
فولدت قوانين الفيزياء.
وسأل: كيف تنتقل الأمراض؟
فتقدمت علوم الطب.
وسأل: كيف تنتظم المجتمعات؟
فظهرت فلسفات السياسة والقانون.
لم يكن السؤال عدوًا للعلم، بل كان وقوده الأول.
لكن ما ميّز تلك الأسئلة أنها كانت تبحث عن الحقيقة، لا عن الشهرة، ولا عن الانتصار في الجدل.
ولهذا قال الفيلسوف فرانسيس بيكون:
«إذا بدأ الإنسان باليقين، انتهى إلى الشك، وإذا بدأ بالشك، انتهى إلى اليقين.»
ولم يكن يقصد الشك الذي يهدم كل شيء، وإنما الشك المنهجي؛ أي أن يراجع الإنسان أفكاره، ويختبرها بالأدلة، حتى يصل إلى معرفة أقوى مما كان يظن.
فالأسئلة التي بنت الحضارة لم تكن أسئلة متمردة على الحقيقة، بل كانت أسئلة تبحث عنها بإخلاص.
حين يتحول السؤال إلى غاية لا وسيلة
هناك فرق كبير بين من يسأل ليصل، ومن يسأل ليظل سائرًا بلا وجهة.
فقد يصبح السؤال عادةً ذهنية، يرفض معها الإنسان كل إجابة، لا لأنها خاطئة، بل لأنه اعتاد الشك حتى صار غاية في ذاته.
وهنا يفقد السؤال قيمته.
فليس المقصود من السؤال أن يبقى مفتوحًا إلى الأبد، وإنما أن يقود إلى معرفة، أو يصحح فهمًا، أو يكشف خطأً، أو يفتح أفقًا جديدًا.
أما إذا تحول إلى وسيلة لهدم كل يقين، ورفض كل دليل، والتشكيك في كل حقيقة دون منهج أو برهان، فإنه لا يصنع عقلًا ناقدًا، بل يصنع عقلًا حائرًا.
ولذلك فإن السؤال الناضج ليس هو الذي يهدم كل شيء، بل هو الذي يميز بين ما ينبغي أن يُراجع، وما ثبت بالدليل فلا يُرفض لمجرد الرغبة في المخالفة.
ومن هنا، ندرك أن قيمة السؤال لا تُقاس بعدد الكلمات التي يحتويها، بل بالأثر الذي يتركه في عقل صاحبه؛ فإن قاده إلى مزيد من الفهم كان سؤالًا يستحق أن يُطرح، وإن قاده إلى الدوران في الفراغ، فقد يكون قد أضاع عليه الطريق بدل أن يدله عليه.
تليد..
تعليقات
إرسال تعليق