ماذا علَّمنا القرآن عن السؤال؟
إنه بسم الله الرحمن الرحيم وبعد :
ماذا علَّمنا القرآن عن السؤال؟
قد يظن بعض الناس أن الإيمان يقوم على إلغاء الأسئلة، وأن كثرة التساؤل دليل على ضعف اليقين، لكن المتأمل في القرآن الكريم يجد صورة مختلفة تمامًا.
فالقرآن لم يُلغِ السؤال، بل وجَّه الإنسان إلى كيف يسأل، وماذا يسأل، ولماذا يسأل.
لقد دعا القرآن إلى التفكر في الكون، والتأمل في خلق الإنسان، والنظر في التاريخ، والتدبر في آياته، حتى إن أفعالًا مثل يعقلون، يتفكرون، يتدبرون، ينظرون تكررت عشرات المرات، وكأنها إعلان بأن العقل ليس خصمًا للإيمان، بل أحد الطرق التي تقود إليه.
لكن القرآن، في الوقت نفسه، حذَّر من نوع آخر من الأسئلة.
الأسئلة التي لا يقصد بها الوصول إلى الحق، بل التعنت، أو التكلف، أو إثارة الجدل، أو طلب ما لا يترتب عليه عمل.
قال تعالى:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾(المائدة: 101).
ولم تكن الآية دعوة إلى إغلاق باب التفكير، وإنما إلى تجنب الأسئلة التي لا تحقق مصلحة، أو التي تنبع من التكلف، أو التي قد تزيد الإنسان تعقيدًا دون فائدة.
وفي موضع آخر، يوجه القرآن الإنسان إلى سؤال مختلف، سؤال يقوده إلى المعرفة النافعة:
﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾(النحل: 43).
وهنا تتجلى قيمة السؤال الحقيقي؛ فهو لا يولد من الغرور، بل من الاعتراف بأن الإنسان لا يعلم كل شيء.
إن الاعتراف بالجهل ليس نقصًا، بل بداية كل علم.
ولعل أخطر ما يصيب العقل أن يتوقف عن السؤال خوفًا من الجواب، أو أن يطرح الأسئلة لا لأنه يريد أن يتعلم، بل لأنه لا يريد أن يقتنع مهما كانت الأدلة.
ففي الحالة الأولى يموت الفضول.
وفي الثانية تموت الموضوعية.
أما الطريق الذي يجمع بين العقل والإيمان، فهو أن يسأل الإنسان بصدق، ويبحث بإخلاص، ويملك من التواضع ما يجعله يقبل الحقيقة إذا ظهرت له، حتى وإن خالفت ما اعتاده.
خاتمة
ليست قيمة الإنسان في كثرة ما يجيب عنه من أسئلة، بل في جودة الأسئلة التي يختار أن يحملها طوال حياته.
فالسؤال قد يكون بداية علم، وقد يكون بداية ضلال، والفرق بينهما لا يكمن في صياغة السؤال، بل في نية السائل، ومنهجه، واستعداده لأن يتبع الحقيقة حيث قادته.
لقد تقدمت البشرية لأنها سألت.
لكنها لم تتقدم لأنها سألت أي سؤال، بل لأنها طرحت الأسئلة التي كشفت قانونًا، أو صححت فهمًا، أو أزالت وهمًا، أو قربت الإنسان من الحقيقة.
وربما لهذا، فإن الحكمة لا تبدأ عندما يمتلك الإنسان كل الإجابات، بل عندما يتعلم أن يميز بين السؤال الذي يفتح بابًا للنور، والسؤال الذي يفتح بابًا للتيه.
ويبقى السؤال الذي يستحق أن يحمله كل واحد منا:
عندما أسأل... هل أبحث عن الحقيقة، أم أبحث فقط عن إجابة ترضي ما أريد أن أؤمن به؟
تليد..
تعليقات
إرسال تعليق