الفشل .... (الجزء الثالث)

 إنه بسم الله الرحمن لرحيم وبعد :




الفشل في ضوء علم النفس وعلوم الأعصاب – لماذا يتعلّم الدماغ من الخطأ أكثر مما يتعلّم من النجاح؟

لو كان النجاح وحده كافيًا لبناء العقول، لكان الإنسان قد بلغ ذروة المعرفة منذ فجر الحضارة. غير أن التاريخ العلمي يخبرنا بحقيقة مختلفة؛ فالعقل البشري لم يُصمَّم ليحفظ الصواب فحسب، بل صُمِّم – على نحوٍ مدهش – ليكتشف الخطأ ويُعيد بناء نفسه على أساسه. ولهذا فإن الفشل، من منظور علم النفس وعلوم الأعصاب، ليس عارضًا سلبيًا في رحلة التعلم، بل هو أحد أهم المحركات التي تدفع الدماغ إلى تطوير قدراته، وتوسيع شبكاته العصبية، وتحسين آليات اتخاذ القرار.

لقد ظل الإنسان، عبر قرون طويلة، يعتقد أن العقل يشبه وعاءً فارغًا يُملأ بالمعلومات شيئًا فشيئًا. غير أن الدراسات الحديثة كشفت أن الدماغ ليس مخزنًا جامدًا للمعرفة، وإنما منظومة ديناميكية تعيد تشكيل نفسها باستمرار. وكل تجربة جديدة، سواء انتهت بالنجاح أو بالإخفاق، تترك أثرًا في بنيته العصبية. إلا أن المثير للاهتمام هو أن الأخطاء كثيرًا ما تُحدث أثرًا أعمق من النجاحات؛ لأنها تُجبر الدماغ على التوقف، وإعادة التقييم، والبحث عن تفسير جديد لما حدث.

ويُطلق علماء الأعصاب على هذه القدرة اسم اللدونة العصبية، وهي خاصية تُمكّن الدماغ من تعديل اتصالاته العصبية استجابةً للتجارب. ولم يعد الدماغ، في ضوء هذا المفهوم، عضوًا ثابتًا لا يتغير بعد مرحلة الطفولة، بل أصبح عضوًا حيًّا يعيد تنظيم نفسه طوال حياة الإنسان. وكلما واجه العقل تحديًا أو خطأً، نشطت دوائر عصبية جديدة، وأُعيد ترتيب مسارات قديمة، في محاولة لتحسين الأداء في المرة التالية.

ومن هنا نفهم لماذا يظل الإنسان يتذكر أخطاءه سنوات طويلة، في حين ينسى كثيرًا من نجاحاته بسرعة. فالنجاح يؤكد ما يعرفه الدماغ أصلًا، أما الفشل فيخبره أن هناك خللًا في توقعاته، وأن النموذج الذي يستخدمه لفهم الواقع يحتاج إلى مراجعة. ولهذا يُولي الدماغ اهتمامًا خاصًا بالمواقف التي تخالف توقعاته، لأنها تحمل في طياتها فرصة للتعلم.

وقد أظهرت تجارب علم النفس المعرفي أن الإنسان يتعلم بسرعة أكبر عندما يتلقى تغذية راجعة واضحة عن أخطائه، مقارنةً بالحالات التي يُمدح فيها دون تفسير. فالمديح يمنح شعورًا مؤقتًا بالرضا، لكنه لا يحدد موضع الخلل، بينما يقدم الخطأ – إذا فُهم على نحو صحيح – خريطةً توضح أين ينبغي أن يبدأ التصحيح.

وهذا ما يفسر تفوق أساليب التعليم الحديثة التي تعتمد على التجربة، والمحاولة، والتصحيح المستمر، على أساليب الحفظ المجرد. فالطالب الذي يحاول حل مسألة ثم يخطئ ويتعرف إلى سبب خطئه، يبني فهمًا أعمق من طالب حفظ الإجابة دون أن يمر بتجربة التفكير نفسها. إن الدماغ لا يتعلم من الإجابة الصحيحة وحدها، بل يتعلم أكثر من الطريق الذي قاده إلى الخطأ ثم أعاده إلى الصواب.

ولعل هذه الحقيقة تُعيد صياغة مفهوم الفشل في أذهاننا. فما نعدّه في حياتنا اليومية هزيمةً، قد يكون – من الناحية العصبية – لحظةً يزداد فيها الدماغ كفاءة. فكل مرة يكتشف فيها الإنسان أن توقعاته لم تكن دقيقة، يبدأ العقل في تعديل نماذجه الداخلية للعالم، وهذا التعديل هو جوهر التعلم الحقيقي.

ومن أبرز المفاهيم التي دعمت هذا الفهم ما قدمته عالمة النفس كارول دويك من خلال نظرية عقلية النمو. فقد فرّقت بين نمطين من التفكير: عقلية ثابتة ترى أن الذكاء والقدرات صفات لا تتغير، وعقلية نامية تؤمن بأن المهارات تُبنى بالممارسة، وأن الخطأ ليس دليلًا على العجز، بل مرحلة في طريق الإتقان. وقد بينت أبحاثها أن الأفراد الذين يتبنون عقلية النمو يكونون أكثر قدرة على تجاوز الإخفاق، وأكثر استعدادًا لتجربة حلول جديدة، لأنهم لا يربطون بين النتيجة وقيمتهم الشخصية.

وهذا يفسر اختلاف استجابة شخصين يمران بالتجربة نفسها. فقد يرسب اثنان في الاختبار ذاته، فيعتبر أحدهما الرسوب نهايةً لقدراته، بينما يعدّه الآخر إشارةً إلى أن أسلوب دراسته يحتاج إلى تعديل. الحدث واحد، لكن التفسير مختلف، والتفسير هو الذي يرسم المسار اللاحق.

وليس الأمر مقصورًا على التعلم الأكاديمي، بل يمتد إلى جميع مجالات الحياة. فالطبيب الذي يراجع تشخيصه بعد خطأ، والمهندس الذي يعيد تصميم مشروعه بعد خلل، والكاتب الذي ينقح نصه عشرات المرات قبل نشره، جميعهم يستخدمون الآلية نفسها التي يعمل بها الدماغ: اكتشاف الخطأ، ثم تعديل النموذج، ثم المحاولة من جديد.

وهكذا يتضح أن الفشل، في ضوء علم النفس وعلوم الأعصاب، ليس خصمًا للعقل، بل أحد أهم أدواته في التطور. وما يبدو في ظاهره تعثرًا قد يكون في حقيقته إعادة بناء هادئة للشبكات العصبية التي ستجعل المحاولة القادمة أكثر دقة ونجاحًا.




                                                                                    تليد..



تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة