هل ينجو الإنسان من العالم... أم ينجو من نفسه؟
إنه بسم الله الرحمن الرحيم وبعد :
(الفصل الأول)
منذ اللحظة التي يفتح فيها الإنسان عينيه على الحياة، يبدأ في البحث عن النجاة. يهرب من الفقر إلى الغنى، ومن المرض إلى الصحة، ومن الحرب إلى السلام، ومن الخوف إلى الأمان. ويقضي عمره وهو يظن أن معركته الكبرى تدور مع العالم الخارجي؛ مع الظروف، والناس، والزمن، والمصادفات التي لا يملك لها دفعًا.
لكن، ماذا لو كانت هذه ليست سوى نصف الحقيقة؟
ماذا لو أن أخطر ما يواجهه الإنسان ليس ما يحدث حوله، بل ما يحدث داخله؟
كم من إنسان امتلك المال، ولم ينجُ من جشعه. وكم من آخر عاش في أمن، ولم ينجُ من قلقه. وكم من شخص أحاط نفسه بالناس، لكنه ظل سجين وحدته. وكم من ناجٍ من الحروب، بقي أسيرًا لذكرياتها سنوات طويلة.
إن العالم يستطيع أن يضع أمام الإنسان العقبات، لكنه لا يستطيع أن يقرر كيف سيفكر، ولا كيف سيفسر ما يمر به، ولا أي إنسان سيصبح بعد كل تجربة. ولهذا قد يواجه اثنان الحدث نفسه، فيخرج أحدهما أكثر حكمةً واتزانًا، بينما يخرج الآخر أكثر خوفًا ومرارة. لم يتغير العالم بينهما، وإنما اختلفت الطريقة التي استجاب بها كل واحد منهما.
ومن هنا، يبرز سؤال يتجاوز حدود الفلسفة ليصل إلى صميم التجربة الإنسانية:
هل يقضي الإنسان حياته محاولًا النجاة من العالم، بينما تكون معركته الحقيقية مع نفسه؟
إن هذا السؤال لا يقلل من قسوة الحياة، ولا ينكر ما فيها من ظلم وألم، لكنه يدعونا إلى النظر في حقيقة قد تكون أكثر إزعاجًا: أن كثيرًا من القيود التي تمنع الإنسان من التقدم لا تُفرض عليه من الخارج، بل تتكون في داخله، بصمت، حتى تصبح جزءًا من شخصيته.
فقد يخشى الإنسان الفشل قبل أن يحاول، ويؤجل أحلامه خوفًا من رأي الآخرين، ويتمسك بعادات تؤذيه لأنه ألفها، ويقاوم التغيير لأنه يخاف المجهول. وفي كل مرة، يظن أن عدوه يقف أمامه، بينما يكون واقفًا في داخله.
فهل يحتاج الإنسان إلى تغيير العالم كي ينجو؟
أم أنه يحتاج أولًا إلى أن يتحرر من السجن الذي بناه في أعماق نفسه؟
العالم ليس دائمًا السجن... فقد يكون السجّان في الداخل
اعتاد الإنسان، منذ القدم، أن يبحث عن أسباب تعاسته خارج ذاته. فإذا أخفق، ألقى اللوم على الظروف. وإذا تعثر، اتهم الحظ. وإذا ضاق صدره، قال إن العالم لم يكن منصفًا معه.
ولا شك أن الحياة قد تكون قاسية، وأن الظلم حقيقة لا يمكن إنكارها، وأن كثيرًا من الناس يحملون جراحًا لم يختاروها. لكن الاعتراف بقسوة العالم لا يعني أن العالم وحده هو الذي يصنع مصير الإنسان.
فهناك سجون لا تُبنى من حجارة، ولا تُغلق بأبواب، ولا تحتاج إلى حراس.
سجن الخوف.
وسجن الكِبر.
وسجن الشعور بالنقص.
وسجن المقارنات التي لا تنتهي.
وسجن الذكريات التي يصر الإنسان على حملها، حتى بعدما انتهت منذ سنوات.
هذه السجون لا يفرضها العالم دائمًا، بل يبنيها الإنسان داخل نفسه، ثم ينسى أنه هو الذي وضع لبناتها الأولى.
ولهذا قد يعيش شخصان في الظروف نفسها؛ أحدهما يرى في الحياة فرصة، والآخر لا يرى فيها إلا التهديد. ليس لأن العالم اختلف، بل لأن العدسة التي ينظران بها إليه مختلفة.
أخطر القيود هي التي لا نشعر بها
ليست كل القيود مرئية.
فقد يكون الإنسان حرًا في حركته، لكنه عاجز عن اتخاذ قرار واحد يغيّر حياته.
وقد يكون قادرًا على الكلام، لكنه يخاف أن يقول الحقيقة.
وقد يمتلك فرصًا كثيرة، لكنه يرفضها لأنه أقنع نفسه بأنه لا يستحقها.
إن أخطر أنواع الأسر هو ذلك الذي يتخفى في صورة قناعة.
ولهذا قال الفيلسوف الروماني سينيكا:
«نحن نعاني في الخيال أكثر مما نعاني في الواقع.»
كم من معركة لم تقع إلا في أذهاننا.
وكم من خوف منعنا من عبور باب، ليتبين لاحقًا أن الباب لم يكن مغلقًا أصلًا.
فالإنسان لا يهزمه الواقع دائمًا، بل قد تهزمه توقعاته عنه.
حين يصبح الماضي حاكمًا للمستقبل
من أعجب ما يفعله العقل أنه يحول التجارب الماضية إلى قوانين ثابتة.
يفشل الإنسان مرة، فيظن أنه سيخفق دائمًا.
يُخذل في علاقة، فيفقد ثقته بالجميع.
يتعرض للسخرية في موقف، فيخاف أن يُظهر نفسه مرة أخرى.
وهكذا، لا يعود الماضي ذكرى، بل يصبح سجنًا يحكم كل قرار جديد.
لكن الحقيقة أن الماضي لا يملك سلطة على الإنسان إلا بقدر ما يمنحه هو من سلطة.
فالذكرى لا تتحكم في المستقبل، وإنما الطريقة التي نفسر بها تلك الذكرى.
ولهذا فإن النجاة لا تبدأ عندما ينسى الإنسان ماضيه، فهذا مستحيل، بل عندما يتوقف عن السماح له بقيادة مستقبله.
أعظم الانتصارات لا يراها أحد
يميل الناس إلى الاحتفاء بالانتصارات الظاهرة؛ منصب، أو ثروة، أو شهرة، أو نجاح يراه الجميع.
لكن هناك انتصارات أعظم، لا يصفق لها أحد.
أن ينتصر الإنسان على خوفه.
أن يغلب كبرياءه فيعتذر.
أن يقاوم رغبته في الانتقام فيختار العفو.
أن ينهض بعد الفشل مرة أخرى، دون أن يفقد إيمانه بنفسه.
هذه الانتصارات لا تغيّر العالم مباشرة، لكنها تغيّر الإنسان الذي سيواجه العالم بعد ذلك.
وربما لهذا كانت أصعب المعارك هي تلك التي لا يشهدها أحد، لأنها تُخاض في أعماق النفس، حيث لا جمهور، ولا تصفيق، ولا شهود... إلا الضمير.
تليد..
تعليقات
إرسال تعليق