هل ينجو الإنسان من العالم... أم ينجو من نفسه؟
إنه بسم الله الرحمن الرحيم وبعد :
(الفصل الثاني والأخير)
هل يستطيع الإنسان أن ينجو من نفسه؟
بعد كل ما سبق، قد يبدو السؤال الأخير أكثر تعقيدًا من السؤال الأول.
هل يمكن للإنسان أن ينجو من نفسه؟
والجواب، في ظني، ليس كما يتوقعه كثيرون.
فالإنسان لا يستطيع أن يهرب من نفسه، لأنها ترافقه في كل مكان. قد يغيّر مدينته، أو عمله، أو أصدقاءه، أو حتى يبدأ حياة جديدة في بلدٍ آخر، لكنه سيحمل معه عقله، وذكرياته، ومخاوفه، وطريقة نظره إلى العالم.
ولهذا فإن النجاة ليست في الفرار من الذات، بل في فهمها.
فالإنسان لا يولد عارفًا بنفسه، وإنما يكتشفها تدريجيًا، وكل تجربة صادقة تكشف له جانبًا لم يكن يراه من قبل. وقد تكون الهزيمة أصدق من النصر، والخسارة أبلغ من المكسب، لأنها تُسقط الأقنعة التي يرتديها الإنسان دون أن يشعر.
ولعل أخطر ما يفعله الإنسان بنفسه، أنه يقضي عمره يحاول إصلاح العالم، بينما يهمل العالم الوحيد الذي يستطيع تغييره حقًا: عالمه الداخلي.
إن النفس التي لم تتعلم مواجهة خوفها، ستبحث عن ألف مبرر لتجنب الحياة.
والنفس التي لم تعالج كبرها، ستفسد عليها كل علاقة صادقة.
والنفس التي لم تتصالح مع أخطائها، ستظل تطارد الآخرين باللوم، حتى لا تواجه نفسها بالحقيقة.
ولهذا، فإن النجاة الحقيقية لا تبدأ عندما تتغير الظروف، بل عندما يتغير الإنسان في طريقة استجابته لها.
وقد عبّر الفيلسوف كارل يونغ عن هذا المعنى بقوله:
«من ينظر إلى الخارج يحلم، ومن ينظر إلى الداخل يستيقظ.»
إن النظر إلى الداخل ليس دعوة إلى الانعزال، بل دعوة إلى الوعي. فالإنسان الذي يفهم نفسه، يصبح أقدر على فهم الآخرين، وأقل اندفاعًا في أحكامه، وأكثر قدرة على مواجهة الحياة دون أن يفقد توازنه.
خاتمة
ربما أمضى الإنسان قرونًا وهو يحاول أن يغيّر العالم، واكتشف في النهاية أن أعقد أرضٍ تحتاج إلى الإصلاح كانت نفسه.
فالعالم يستطيع أن يجرحنا، لكنه لا يستطيع أن يقرر كيف سنعيش بعد الجرح.
والناس قد يخذلوننا، لكنهم لا يستطيعون أن يختاروا بدلًا منا بين الكراهية والتسامح.
والزمن قد يسلبنا أشياء كثيرة، لكنه لا يسلبنا حرية أن نختار من نكون بعد كل ما مررنا به.
ولذلك، فإن النجاة ليست أن تصل إلى مكان لا توجد فيه المشكلات، فمثل هذا المكان لم يوجد قط، وإنما أن تبلغ من الوعي ما يجعلك تواجه الحياة دون أن تفقد إنسانيتك، ودون أن تسمح للخوف، أو الغضب، أو اليأس، أن يتحول إلى هوية تسكنك.
ويبقى السؤال الذي لا تنتهي إجابته:
هل نحن حقًا نحاول النجاة من العالم... أم أننا، في أعماقنا، نحاول أن ننجو من أنفسنا؟
وربما كانت الحكمة الكبرى أن الإنسان لا ينتصر على نفسه بالقوة، ولا يقهرها بالهروب، بل يعرفها، ويهذبها، ويقودها. فمن عرف نفسه بصدق، لم يعد العالم كله قادرًا على أن يهزمه.
ملاحظة: هذا المقال متوازن عقليًا و فكريًا لا يهاجم العالم ولا يبرئه، بل يوازن بين تأثير الظروف ومسؤولية الإنسان عن نفسه، وهي زاوية تمنحه عمقًا فلسفيًا وإنسانيًا في الوقت نفسه
تليد..
تعليقات
إرسال تعليق