التقويم الهجري ...(الفصل السابع)
إنه بسم الله الرحمن الرحيم وبعد :
كيف أصبحت الهجرة بدايةً لزمن أمة؟
«ليست كل البدايات تُختار لأنها أول حدثٍ في التاريخ، بل لأن بعضها غيّر مجرى التاريخ كله.»
عندما نتأمل التقاويم التي عرفتها الحضارات، نجد أن معظمها ارتبط بحدث طبيعي؛ فبعضها اعتمد على حركة الشمس، وبعضها على دورة القمر، وبعضها ارتبط بمواسم الزراعة أو فيضان الأنهار. أما المسلمون، فقد اختاروا أن يجعلوا بداية تقويمهم حدثًا إنسانيًا غيّر مسار التاريخ، لا ظاهرة فلكية ولا ميلاد ملك أو وفاة قائد.
لقد اختاروا الهجرة النبوية.
ولم يكن هذا الاختيار مصادفة، بل كان قرارًا يكشف فهمًا عميقًا لمعنى التاريخ، ولحظة انتقال أمة من مرحلة الاستضعاف إلى مرحلة بناء الحضارة.
كيف كان العرب يؤرخون قبل الإسلام؟
قبل ظهور الإسلام، لم يكن للعرب تقويم موحد كما نعرفه اليوم.
فقد كانوا يحددون الزمن بالأحداث الكبرى، فيقال: عام الفيل، أو عام وقع فيه قحط شديد، أو حرب مشهورة، أو وفاة أحد الزعماء.
وكانت هذه الطريقة مناسبة للمجتمعات القبلية الصغيرة، لكنها لم تكن تصلح لدولة تمتد حدودها، وتُبرم فيها العقود، وتُجمع فيها الزكاة، وتُدار فيها شؤون الحكم.
ومع اتساع الدولة الإسلامية في عهد الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه، ظهرت الحاجة إلى نظام يؤرخ للأحداث والرسائل والوثائق بدقة.
بداية فكرة التقويم
تذكر المصادر التاريخية أن سبب إنشاء التقويم الهجري يعود إلى وصول كتاب إلى الخليفة عمر بن الخطاب يحمل تاريخ شهر شعبان، دون أن يُذكر أي شعبان هو.
فأثار ذلك إشكالًا في تحديد الزمن، وجعل الحاجة إلى تقويم واضح أمرًا لا يحتمل التأجيل.
فجمع عمر كبار الصحابة للتشاور، وبدأ النقاش حول الحدث الذي ينبغي أن تبدأ منه سنوات المسلمين.
اقتُرحت عدة أحداث عظيمة؛ منها مولد النبي ﷺ، وبعثته، ووفاته، لكن الرأي استقر في النهاية على الهجرة النبوية.
لماذا اختيرت الهجرة؟
قد يتساءل البعض: لماذا لم يبدأ التقويم بميلاد النبي ﷺ، وهو أشرف حدث في التاريخ الإسلامي؟
والجواب أن الهجرة لم تكن مجرد انتقال من مدينة إلى أخرى، بل كانت بداية قيام المجتمع الإسلامي والدولة الإسلامية.
ففي مكة كان المسلمون أفرادًا يدعون إلى دينهم تحت وطأة الاضطهاد، أما في المدينة فقد أصبح لهم مجتمع، ونظام، وقضاء، وعلاقات مع الأمم الأخرى.
لقد كانت الهجرة بداية مرحلة جديدة في التاريخ، ولذلك استحقت أن تكون بداية الزمن الإسلامي.
إنها لحظة تحوّل، لا مجرد لحظة وقوع.
لماذا يبدأ العام الهجري بمحرم؟
قد يبدو غريبًا أن الهجرة وقعت في شهر ربيع الأول، بينما يبدأ التقويم الهجري بشهر محرم.
والسبب أن شهر محرم كان بداية الدورة السنوية عند العرب، كما أنه يأتي بعد موسم الحج، الذي يجتمع فيه المسلمون من مختلف القبائل، فكان أنسب نقطة لبدء عام جديد.
وهكذا جُمعت بين الدلالة التاريخية للهجرة، والترتيب الزمني الذي اعتاده الناس.
التقويم الهجري... تقويم قمري
اعتمد المسلمون في تقويمهم على دورة القمر.
فالشهر يبدأ برؤية الهلال، وينتهي بظهور الهلال التالي، ولذلك يبلغ متوسط الشهر القمري نحو تسعة وعشرين يومًا ونصف اليوم.
وبذلك تتكون السنة الهجرية من اثني عشر شهرًا، يبلغ مجموعها نحو 354 يومًا، أي أقل من السنة الشمسية بنحو أحد عشر يومًا.
ولهذا تنتقل الأشهر الهجرية بين فصول السنة مع مرور الزمن، فنجد شهر رمضان يأتي مرة في الصيف، ومرة في الشتاء، ومرة في الربيع أو الخريف.
وهذه الخاصية جعلت الشعائر الإسلامية تتوزع على جميع فصول السنة، فلا ترتبط ببيئة معينة أو مناخ محدد.
الأشهر الهجرية وأسماؤها
تتكون السنة الهجرية من اثني عشر شهرًا، هي:
محرم، صفر، ربيع الأول، ربيع الآخر، جمادى الأولى، جمادى الآخرة، رجب، شعبان، رمضان، شوال، ذو القعدة، وذو الحجة.
وقد كانت هذه الأسماء معروفة عند العرب قبل الإسلام، فأبقاها الإسلام، لكنه منحها معاني جديدة ترتبط بالعبادات وتنظيم حياة المسلمين.
كما أن أربعةً منها هي الأشهر الحرم، التي جعل الله لها مكانة خاصة، وهي: ذو القعدة، وذو الحجة، ومحرم، ورجب.
أثر التقويم الهجري في الحضارة الإسلامية
لم يكن التقويم الهجري مجرد وسيلة لمعرفة الأيام، بل أصبح جزءًا من هوية الأمة الإسلامية.
فبه أُرخت المعاهدات، وسُجلت الفتوحات، وكُتبت كتب العلماء، ووُثقت المراسلات بين الخلفاء والولاة، وحُفظت أحداث التاريخ الإسلامي عبر القرون.
كما ارتبطت به أعظم الشعائر الإسلامية؛ من الصيام، والحج، والزكاة، والاعتكاف، وغيرها من العبادات التي تعتمد على حركة القمر.
وهكذا أصبح التقويم الهجري شاهدًا على مسيرة حضارة امتدت من الأندلس غربًا إلى حدود الصين شرقًا.
الزمن في الإسلام
ينظر الإسلام إلى الزمن على أنه نعمة ومسؤولية.
فالقرآن الكريم أقسم بالزمن في مواضع متعددة، فقال تعالى:
﴿وَالْعَصْرِ إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ﴾.
وقال سبحانه:
﴿وَالْفَجْرِ وَلَيَالٍ عَشْرٍ﴾.
وهذا يدل على مكانة الزمن في حياة الإنسان، وأن الأيام ليست مجرد أرقام تتعاقب، بل رأس مال الإنسان الحقيقي، الذي لا يمكن استعادته إذا مضى.
ولذلك لم يكن إنشاء التقويم في الحضارة الإسلامية مجرد عمل إداري، بل وسيلة لتنظيم حياة الإنسان في عبادته وعمله وعلاقته بربه.
خاتمة الفصل
لم يختر المسلمون الهجرة لأنها أول حدث في تاريخ الإسلام، بل لأنها كانت الحد الفاصل بين مرحلة ومرحلة، وبين مجتمع صغير ودولة ستصبح لاحقًا واحدة من أعظم الحضارات في التاريخ.
لقد أثبت التقويم الهجري أن الزمن لا يُقاس بالحركة الفلكية وحدها، بل قد يُقاس أيضًا بالأحداث التي تغيّر مسار الأمم.
وفي الفصل القادم سننتقل إلى العصر الحديث، لنتعرف على كيف يقيس الإنسان الزمن اليوم، من الساعات الميكانيكية إلى الساعات الذرية، ومن خطوط الطول إلى التوقيت العالمي، لنكتشف كيف أصبحت الثانية الواحدة تُحسب بدقة تكاد تلامس حدود الفيزياء نفسها.
تليد..
تعليقات
إرسال تعليق