هل الحقيقة مؤلمة... أم أننا نحن من نجعلها كذلك...؟
إنه بسم الله الرحمن الرحيم وبعد :
منذ أن بدأ الإنسان يطرح الأسئلة الكبرى، وهو ينظر إلى الحقيقة كما لو كانت سيفًا ذا حدين؛ يبحث عنها بشغف، لكنه يخشاها حين تقترب منه. يردد أنه يريد أن يعرف، لكنه يتراجع عندما يدرك أن المعرفة قد تهدم صورةً عاش سنوات في بنائها. وكأن الإنسان لا يخاف الحقيقة لأنها قاسية، بل لأنه يعلم أن لها قدرةً عجيبة على انتزاع الأوهام التي تمنحه الطمأنينة.
فكم من شخص تمنى أن يعرف الحقيقة، حتى عرفها، ثم تمنى لو بقي جاهلًا بها. وكم من علاقة انتهت لأن الصدق جاء متأخرًا، وكم من يقين انهار في لحظة واحدة لأن دليلًا صغيرًا كشف أن ما بُني عليه لم يكن صحيحًا. ولهذا التصق بالحقيقة، عبر التاريخ، وصفٌ يكاد يبدو بديهيًا: أنها مؤلمة.
لكن... هل الحقيقة هي التي تؤلم فعلًا؟
أم أن الألم يبدأ في اللحظة التي تصطدم فيها بما كنا نؤمن به عن أنفسنا، وعن الآخرين، وعن العالم؟
إن السؤال يبدو بسيطًا، لكنه يمس أعماق التجربة الإنسانية. فالحقيقة لا تجرح الحجر، ولا تؤلم الورقة، ولا تعني شيئًا للكائن الذي لا يملك وعيًا. وحده الإنسان يتألم منها، لأنه الكائن الوحيد الذي يستطيع أن يبني داخله عالمًا كاملًا من التوقعات، ثم يكتشف في لحظة واحدة أن الواقع لم يكن يشبه ذلك العالم إلا في خياله.
وربما لهذا السبب لم تكن معركة الإنسان مع الحقيقة يومًا معركةً معرفية فحسب، بل كانت معركةً وجودية أيضًا. فالحقيقة لا تغيّر ما نعرفه فقط، بل قد تغيّر من نظن أننا عليه، ومن نظن أن الآخرين هم، وما نظن أن الحياة تستحقه.
وهنا يولد السؤال الذي يستحق التأمل:
هل الحقيقة مؤلمة بطبيعتها... أم أننا نحن الذين نمنحها هذا الألم عندما نتمسك بالأوهام أكثر مما نتمسك بالواقع؟
الحقيقة لا تؤلم... بل انهيار الصورة التي صنعناها عنها
حين نقول إن الحقيقة مؤلمة، فإننا نفترض أن الألم يسكن الحقيقة نفسها، وكأنها تحمل في جوهرها قوةً تُصيب الإنسان كلما اقترب منها. لكن لو تأملنا الأمر بعمق، لوجدنا أن الحقيقة في ذاتها ليست سوى وصفٍ لما هو كائن؛ فهي لا تغضب، ولا تنتقم، ولا تقصد أن تجرح أحدًا.
الذي يؤلم حقًا هو المسافة بين ما اعتقدناه... وما هو موجود بالفعل.
فالطفل الذي يكتشف أن بطله ليس كاملًا، لا يتألم من الحقيقة، بل من انهيار الصورة التي رسمها في خياله.
والرجل الذي يعلم أن صديقًا خانه، لا تؤلمه الحقيقة بقدر ما يؤلمه أنه عاش سنوات يمنح ثقته لمن لم يكن أهلًا لها.
والإنسان الذي يكتشف خطأ فكرةٍ دافع عنها طويلًا، لا يوجعه اكتشاف الصواب، بل يوجعه أن يعترف بأن جزءًا من حياته بُني على وهم.
إن الحقيقة لا تهدم الواقع، لأنها هي الواقع. لكنها تهدم الصور التي صنعناها عنه.
ولهذا يبدو الألم وكأنه جاء منها، بينما هو في الحقيقة جاء من اصطدام الوهم بما لا يمكن إنكاره.
لماذا نحب الوهم؟
قد يبدو السؤال غريبًا، فمن ذا الذي يختار الوهم وهو يعلم أنه وهم؟
لكن الإنسان لا يقع في الوهم لأنه يحب الكذب، بل لأنه يبحث عن الأمان.
فالوهم يمنح إجابات سريعة، ويخفف قلق المجهول، ويجعل العالم يبدو أكثر بساطةً مما هو عليه. أما الحقيقة، فكثيرًا ما تطلب من الإنسان أن يعيد النظر في نفسه، وأن يتخلى عن يقينٍ عاش معه سنوات، وأن يبدأ من جديد.
وهذا ليس أمرًا يسيرًا.
ولهذا قال الفيلسوف الألماني آرثر شوبنهاور:
«كل حقيقة تمر بثلاث مراحل: تُسخر منها أولًا، ثم تُقاوَم بعنف، ثم تُقبل أخيرًا على أنها بديهية.»
فالإنسان لا يقاوم الحقيقة دائمًا لأنها خاطئة، بل لأنه يشعر بأنها تهدد النظام الذي اعتاد العيش فيه.
العقل لا يبحث دائمًا عن الحقيقة
من أكثر الأفكار التي كشفتها الدراسات الحديثة في علم النفس أن الإنسان لا يستخدم عقله دائمًا ليصل إلى الحقيقة، بل كثيرًا ما يستخدمه ليدافع عن قناعاته السابقة.
فعندما يسمع رأيًا يخالف ما يؤمن به، لا يبدأ عادةً بالسؤال: هل هذا صحيح؟
بل يبدأ بسؤال آخر:
كيف أثبت أنه مخطئ؟
وهذه الظاهرة تُعرف في علم النفس بـ الانحياز التأكيدي (Confirmation Bias)، وهي ميل الإنسان إلى البحث عما يؤيد أفكاره، وتجاهل ما يناقضها.
ولذلك قد تمر الحقيقة أمام أعيننا مراتٍ كثيرة، لكننا لا نراها، ليس لأنها مختفية، بل لأننا لا نريد أن نراها.
إن العقل أحيانًا لا يحجب الحقيقة عن الإنسان، وإنما الإنسان هو الذي يحجب نفسه عنها.
الحقيقة... مسؤولية قبل أن تكون معرفة
ليس أصعب ما في الحقيقة أنها تكشف الخطأ، بل أنها تُحمّل الإنسان مسؤولية ما عرفه.
فالذي يعلم أن طريقًا يقود إلى الهلاك، لم يعد يملك عذرًا للسير فيه.
والذي يكتشف أنه ظلم إنسانًا، يصبح مطالبًا بالاعتذار أو الإصلاح.
والذي يدرك أن فكرةً آمن بها كانت خاطئة، يصبح أمام خيارين: أن يتواضع ويغيّر موقفه، أو أن يكابر حفاظًا على صورته.
ولهذا يخاف كثير من الناس الحقيقة، لأنهم يدركون أن معرفتها ستفرض عليهم تغييرًا لا يريدونه.
فالجهل، في بعض الأحيان، يبدو مريحًا لأنه لا يطالب صاحبه بشيء.
أما الحقيقة، فلا تسمح للإنسان أن يبقى كما كان.
تليد..
تعليقات
إرسال تعليق